استخدام الجوع كسلاح حرب- بقلم إرثارين كازين  

تاريخ النشر: 18 يناير 2017
في الأشهر التسعة الأولى من عام 2016، قتل ما لا يقل عن 66 من العاملين في الإغاثة الإنسانية في سوريا وجُرح 114 آخرون. يجب أن يظل احترام وحماية عمال الإغاثة الساعين لمساعدة الأطفال وغيرهم من المدنيين المعرضين للخطر أمراً بالغ الأهمية.
تصوير: عمر صانديكي/ رويترز
تخيل أنك قادر على مساعدة الناس الأبرياء ولكنك تُمنع من القيام بذلك من قبل المقاتلين الذين يستخدمون الحرمان من الطعام وغيره من المساعدات كسلاح من أسلحة الحرب.

حصار حلب قد انتهى. ولكن من فضلك، لا تتجاهل ذلك.

إجلاء المدنيين من آخر مناطق في المدينة كان يسيطر عليها المتمردون لا يبشر بنهاية معاناة الأطفال الأبرياء والنساء والرجال المحاصرين وراء خطوط الصراع، في انتظار الغذاء والدواء وغيرها من الإمدادات المنقذة للحياة.

لا تنسى أن هناك أيضاً مئات الآلاف من المدنيين لا يمكن الوصول إليهم بالمساعدات الإنسانية في حوالي 16 من المجتمعات المحاصرة عبر سوريا. ضحايا هذا الصراع طويل الأمد بحاجة ماسة للمساعدة. الأمهات لا يجدن أي شيء لإطعام أطفالهن باستثناء الشاي المصنوع من الأوراق المجففة التي يلتقطنها من حدائقهن القاحلة. الأطفال يولدون وهم يعانون من سوء التغذية الشديد. ويموت عدد كبير جداً منهم بسبب الجوع.

تخيل قدرتك على مساعدة هؤلاء الناس الأبرياء، لكن يتم منعك من القيام بذلك، حيث يعوقك المقاتلون من كافة الأطراف، متجاهلين القانون الدولي الإنساني ومفتقرين إلى التعاطف الإنساني مستخدمين الحرمان من الطعام وغيره من المساعدات كسلاح من أسلحة الحرب. ومؤخراً أطلق أحد زملائنا على هذه المعاناة المستمرة وصفاً واقعياً لما يحدث، هو: "انهيار كامل للإنسانية."

برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة الذي يعمل داخل سوريا، جنباً إلى جنب مع وكالات الأمم المتحدة الشقيقة والمنظمات غير الحكومية، يقف متأهباً لتسليم المساعدات. وبفضل سخاء المجتمع الدولي لدينا الطعام والشاحنات والطائرات. وبدلاً من تقديم خدمتنا، نقضي ساعات لا تحصى للتفاوض على كل خطوة نخطوها، ويكون التفاوض في كثير من الأحيان دون جدوى. الوصول محظور. لتبقى الجهات الإنسانية الفاعلة راغبة ومستعدة للمساعدة ولكنها غير قادرة حتى الآن على إنقاذ الأرواح.

للأسف، هذا الوضع المأساوي لا يحدث في سوريا وحدها. فالنساء والأطفال يعانون الآن من الجوع في مناطق الصراع في جميع أنحاء العالم، في اليمن ونيجيريا وجنوب السودان والعراق وأماكن أخرى، محاصرين بسبب وحشية مقاتلين على استعداد أيضاً لحرمان العاملين في المجال الإنساني من الوصول المطلوب لتلبية احتياجات الأبرياء.

ويمكننا جميعاً أن نتذكر الأزمات السابقة التي وصمت العالم بالخزي: حصار سراييفو، والإبادة الجماعية في رواندا والفظائع التي ارتكبت خلال الحربين العالميتين في القرن العشرين، هذا فقط على سبيل المثال لا الحصر. ودفعتنا تلك الأحداث جميعاً لأن نقول "لا.. ليس مجدداً". وها نحن نجد أنفسنا في الوضع ذاته مرة أخرى.

عند تسلمه جائزة نوبل للسلام في 10 ديسمبر/ كانون الأول، أعلن الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس ما استفادته بلاده خلال صراعها المدني طوال 52 سنة: "الانتصار النهائي عن طريق القوة، عندما توجد بدائل غير عنيفة، ليس سوى هزيمة لروح الإنسان."

وبعد ذلك بيومين، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريس، أثناء أدائه اليمين: "في النهاية، يتعلق الأمر بالقيم ... نريد من العالم الذي سوف يرثه أولادنا أن يتحدد بالقيم المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة: السلام والعدل والاحترام وحقوق الإنسان والتسامح والتضامن. جميع الأديان الرئيسية تحتضن هذه المبادئ، ونحن نسعى جاهدين لإبرازها في حياتنا اليومية."

البابا فرانسيس، وهو يخاطب برنامج الأغذية العالمي في وقت سابق من هذا العام، أثار نقطة مهمة "الحروب هي التي يجري تغذيتها، وليس الأشخاص. وفي بعض الحالات، يتم استخدام الجوع نفسه كسلاح حرب. ... ونحن على وعي تام بهذا، ولكننا نسمح لضميرنا أن يتخدر."

وبينما يحتفل العالم بتقاليدنا الدينية المختلفة في موسم السلام والمحبة، لا بد لنا من إعادة إحياء المبادئ الإنسانية، ألا وهي: الإنسانية والعدل والحياد والاستقلال. كل واحد منا -الزعماء الدينيين، والدول الأعضاء في الأمم المتحدة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمواطنين الأفراد – يجب علينا جميعاً أن نستدعي "الملاك الذي بداخلنا" لنؤكد على إجماعنا على أنه لا يجوز حرمان غير المقاتلين من الطعام كأداة للحرب.

يجب أن تكون هذه المبادئ أكثر من كلمات. فالتخلي عن القيم الإنسانية الأخلاقية الأساسية هو رفض لإنسانيتنا ذاتها. علينا أن ندرك ونعود إلى المبدأ الأساسي الذي يقضي بأن التجويع كسلاح حرب، سواء أكان متعمداً أو نتيجة للفشل في التحرك، لا يعارض التعاليم الأخلاقية الأساسية وحسب، وإنما هو جريمة حرب أيضاً. ويجب علينا ألا نقتصر على إدانة هذه الأعمال ولكن يجب أن ينال مرتكبوها جزاءهم.

"لا تسلك الطريق السهل من خلال الإعلان عن كل الأضرار التي تلحق بالضحايا المدنيين." كانت هذه هي الرسالة التي قدمها بيتر مورير، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في القمة العالمية للعمل الإنساني العالمي لهذا العام في اسطنبول. 

امنحونا الحيز الانساني. وسيقوم رجالنا ونساؤنا الشجعان بما يلزم. فغالباً ما يؤدي الافتقار إلى الحيز الإنساني إلى فقد في أرواح العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية. وكمثال على ذلك، في الأشهر التسعة الأولى من عام 2016، قتل ما لا يقل عن 66 من العاملين في الإغاثة الإنسانية في سوريا وجُرح 114 آخرون. يجب أن يظل احترام وحماية عمال الإغاثة الساعين لمساعدة الأطفال وغيرهم من المدنيين المعرضين للخطر أمراً بالغ الأهمية. وفي كل صراع يجب أن يضمن جميع الأطراف وصول المساعدات الإنسانية.

يجب علينا جميعاً أن نحول غضبنا الجماعي إلى عمل جماعي. دعونا نتحد وراء مطلب إنساني، وهو مطلب تسيير النزاعات المسلحة في إطار قواعد الحرب. قد يكون هناك ظروف تجد الحكومات في ظلها سببا ً لشن الحرب. ولكن في وسعنا وضع حد للمعاناة التي لا معنى لها والتي يمكن تجنيب المدنيين الأبرياء إياها.

إرثارين كازين، المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.