العودة إلى ليبيا: يومياتي في أول زيارة إلى بنغازي

تاريخ النشر: 03 سبتمبر 2018
أنا ومسئولون بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وفريق عملي خلال لقائنا بالسلطات بميناء بنغازي.  صورة: برنامج الأغذية العالمي/ وجدي موقو. 
يوثق سامر عبد الجابر، المدير القطري الجديد لبرنامج الأغذية العالمي بليبيا، أول مهمة ميدانية له إلى مدينة بنغازي الساحلية بشرق ليبيا، التي جاءت بعد سنوات من العمل عن بعد بسبب ما شهدته البلاد من انعدام أمني شديد.

لطالما كنت متوترا بشأن الذهاب إلى بنغازي، نظرا لأني أعلم أن عدداً من الأسماء البارزة بالبرنامج كانوا يعملون هناك منذ عدة سنوات مضت، ولكن مع ذلك كنت متشوقاً جداً للذهاب إلى هناك. ركبنا الطائرة من تونس وتوقفنا في طرابلس لختم جوزات السفر الخاصة بنا، ثم واصلنا رحلتنا إلى مدينة بنغازي. 

وانتهى بنا المطاف في مبنى وصول غير المقصود، لا يوجد به أي خدمات أرضية لتفريغ الحقائب من الطائرة. فقام وجدي، مسئول العمليات لدى البرنامج بالصعود على متن الطائرة وإنزال حقائبنا يدويا. وبعد ذلك، استقلينا حافلة قديمة إلى مبنى الوصول الصحيح، وبعد مرور ساعة من الإجراءات البيروقراطية ركبنا العربات المدرعة التي طُلب منا التنقل بها ووصلنا إلى الفندق. 

 

المدينة القديمة

أول شيء قمنا به كان رحلة إلى المنطقة القديمة بالمدينة، ما أروع هذا المكان الذي يزخر بالتاريخ وعظمة المعمار، ولكن الدمار أتى على الأخضر واليابس لدرجة لا تصدق. وظللت أفكر كيف كانت تحيا هنا الأسر وتعمل المتاجر وتعم الحياة والبهجة أرجاء المدينة. وبمجرد خروجنا من المدينة القديمة، وإن كنا مازلنا أمام برج بنغازي، تملكني الأمل من جديد. ورأيت وكأن الحياة تعود للمكان، إن الأمل مازال موجودا، رأيت الأطفال يلعبون قبالة مدينة الأشباح التي اُحترقت بالكامل. ورأيت شاطئ البحر مليئا بالحياة مرة أخرى. 

مباني المدينة القديمة. صور تم التقاطها عبر كاميرات الهواتف الجوالة. صور: برنامج الأغذية العالمي وإدارة الأمم المتحدة لشئون السلامة والأمن.
 

وفي اليوم الثاني ذهبنا للقاء مسئولي مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، الذين كانوا في زيارة لإحدى الجامعات بمدينة بنغازي. وسعدت برؤية شباب وفتيات يعيشون حياة جامعية عادية، يشترون القهوة من مقصف الجامعة ويمارسون أنشطة الحياة اليومية التي نفتقدها كثيرا عندما نُحرم منها. وفي طريقنا لمقابلة عمدة بنغازي، شعرت بالفخر للحديث عن برنامج الأغذية العالمي والمهام التي جئنا من أجل تنفيذها، مستندا في حديثي إلى ما خلفته مدينة بنغازي من إرث عندما كانت الممر الرئيسي لخدمة حالات الطوارئ بالسودان وتشاد منذ عدة سنوات قليلة مضت، ولا ننسى آلاف الشاحنات المحملة بالأغذية المتجهة من ميناء بنغازي إلى الكفرة في الجنوب ومنها تنطلق رحلة أخرى لنقل الأغذية للمحتاجين عبر الحدود. 

 

الذكريات والمستقبل

اتصلت بصديق قديم يدعى شريف كان يعمل في بنغازي عام 2012 وسألته عما إذا كان يتذكر مكان مكتب برنامج الأغذية العالمي هناك، وتحمس شريف وعثر على إحداثيات تحديد الموقع (جي بي إس) وقمنا بإدخالها على خرائط جوجل. يكاد قلبي أن يتوقف في كل مرة اسمع فيها الجي بي إس وهو يحدد الاتجاهات ويقترب بنا من الموقع. وبمجرد أن تحدد الموقع، خاب أملي. لقد دُمر المكان الذي كان يضم مكتب برنامج الأغذية العالمي وحلت مكانه الآن القمامة. ولم يعد هناك أي مؤشرات للحياة. واتصلنا أيضا بمارلين، موظفة دعم الأعمال التي كانت تعمل مع برنامج الأغذية العالمي في بنغازي، للتحقق مما إذا كنا قد حددنا الموقع الصحيح، ووصفت لنا مارلين بحماس موقع المكتب. وعرفنا أنه بالفعل الموقع الصحيح. 

مكتب برنامج الأغذية العالمي السابق بمدينة بنغازي في حالة مؤسفة. صورة: برنامج الأغذية العالمي/ سامر عبد الجابر. 
 

كنت أتخيل صورة زملائي الرائعين ببرنامج الأغذية العالمي الذين سبقوني بالعمل في بنغازي: مهند وطاهر وشريف وعبير وماريان وزلاتان وميتي وإكرام ودان وفيتالي وألان وكير وأمير والكثير غيرهم.  أعلم أن هذه الأسماء لا تمثل أهمية بالنسبة للقارئ الذي لا يعمل لدى برنامج الأغذية العالمي ولكن وجب ذكرهم لما لهم من إنجازات وإسهامات في إنقاذ حياة الكثيرين في ليبيا. لقد استمعت إلى الكثير من الروايات عن هذا المكان من ضمنها مدى سعادة زملائنا بقدوم ماريان في مهمة إلى ليبيا لأنها تطهى الطعام للجميع وتعد معكرونة لذيذة.

كما تربطني أيضا بهذا المكان ذكريات، تبدو قديمة ولكنها متصلة به إلى حد ما، فعندما كنت في شمال دارفور، كان يسعدني قدوم الرحلات التابعة لبرنامج الأغذية العالمي المحملة بالأغذية من ليبيا. وكان يضطر إبراهيم موظف الدعم اللوجيستي إلى الاستيقاظ مبكرا للتأكد من تواجد الحمالين والشاحنات بالمطار. كما اعتاد شريف الذي يعمل بالخدمات الجوية الانسانية الاستيقاظ مبكرا إذ ربما يتصل به صلاح الذي يعمل بالخدمات الجوية بالكفرة، من هناك للاستعلام عن حالة الطقس في مدينة الفاشر ليحدد ما إذا كان من الممكن إرسال طائرة. وحتى يومنا هذا نتعجب ونتساءل لماذا يتصل صلاح هاتفيا ولا يتابع توقعات الأحوال الجوية بنفسه!

 

وبينما أقف وسط الأنقاض والحطام، شعرت بالفخر أننا عدنا بعد كل هذه السنوات. لقد قضينا بعض الوقت نقيم احتمالية وجود مكتب للبرنامج في المستقبل. وفي طريق العودة إلى الفندق، شاهدنا شارع فينيسيا الحيوي المليء بالمتاجر والمطاعم الجديدة، فارتفعت معنوياتي فجأة.   

مقابلة بالميناء 

تلقيت اتصال هاتفي في منتصف الليل يؤكد موعد مقابلتي مع سلطات الميناء في اليوم التالي، ولم أتمكن من النوم بعده ليس فقط بسبب حماستي ولكن نظرا لوجود طوارئ عسكرية للقبض على هارب. وشعرت وكأن حماية الذات (الواجبة هنا) شخصا يقترب مني ويهمس في أذني قائلا: " إذا سمعت طلق ناري بالقرب من المكان، اختبئ بجانب الثلاجة. الجدران هناك ضعيفة ويمكن أن يخترقها الرصاص." هذا عندما كانت تعتريني حالات من تخيل مشاهد قد سبق وعايشتها في دارفور. 

 

" إذا سمعت طلق ناري بالقرب من المكان، اختبئ بجانب الثلاجة. الجدران هناك ضعيفة ويمكن أن يخترقها الرصاص."

ميناء بنغازي. صور تم التقاطها بواسطة الهاتف الجوال. صور: برنامج الأغذية العالمي/ سامر عبد الجابر 
 

جاء الصباح وذهبنا إلى الميناء في تمام التاسعة صباحا. وفي طريقنا، لم نر فقط الكثير من نقاط التفتيش بل رأينا أيضا الكثير من المتطوعين لتنظيف الشوارع والأرصفة. إنه لشيء مدهش حقا أن ترى الشباب يعملون لبناء بلادهم. 

وصلنا الميناء ونحن نشعر بسعادة غامرة. وحكت لنا سلطات الميناء عن الأيام التي كان يشهد بها الميناء ازدحاما لتفريغ السفن المحملة بالسلع التابعة لبرنامج الأغذية العالمي. وتبادلوا روايات عظيمة عن عدد الوظائف التي توفرها وتدعمها عمليات التشغيل بالميناء والمخازن وعدد شركات النقل والسفن العملاقة وبعد ذلك شاهدت معهم المرافئ التي كانت ترسو فيها السفن التابعة للبرنامج والتي دُمرت حاليا. وأخبروني أنهم في حاجة إلى دعم برنامج الأغذية العالمي لإصلاح وترميم الميناء كما لو كان هذا الميناء بيتا قديما لدى البرنامج نحتاجه للمساعدة في تخفيف آلام المحتاجين.

وأخبروني أنهم في حاجة إلى دعم برنامج الأغذية العالمي لإصلاح وترميم الميناء كما لو كان هذا الميناء بيتا قديما لدى البرنامج نحتاجه للمساعدة في تخفيف آلام المحتاجين.  

لقد قمنا برحلة وسنحت لي الفرصة لالتقاط بعض الصور وأرسلتها إلى بعض الأصدقاء الذين سبق لهم المجيء إلى بنغازي وتلقيت منهم على الفور مكالمات أو رسائل ووجدتهم جميعا يقولون نفس الكلمات: أنا أتذكر هذا! وأنا أتذكر ذاك! على اليسار كنا نفعل هذا، وعلى اليمين كنا نقابل ذاك الشخص. فعقول كل من تحدثت معهم، من فريق العمل بالبرنامج وشركائه الذين كانوا يدعمون عملياته في ذلك الوقت، مملوءة بتاريخ وذكريات كثيرة. 

إلى لقاء آخر يا بنغازي 

توجهنا إلى المطار، وتعطلنا مرة ثانية لوقت طويل لأسباب لم أبالي بها حتى وإن كانوا يريدون بقاءنا في بنغازي لم أكن سأُمانع. فقد كنت أحدث نفسي عن هذه الرحلة وكيف كانت مفاجئة لي في شتى جوانبها (وأنني في هذا المكان تناولت ألذ شيش طاووق وعصير مانجو لم أتناول مثلهما منذ وقت طويل). 

وبعد مرور ساعتين، سمحوا لنا أخيرا بركوب الطائرة. وقلت لنفسي أنتي في قلبي وعقلي يا بنغازي، فهذه هي مجرد بداية وسأعود قريبا أنا وفريقي. 

وقلت لنفسي أنتي في قلبي وعقلي يا بنغازي، فهذه هي مجرد بداية وسأعود قريبا أنا وفريقي. 

وحتى نلتقي، وداعا يا بنغازي. سنبذل كل ما في وسعنا لندعم من جديد شعب بنغازي الأبي الذي احتفى بنا وكأننا في بلدنا الثاني. 

وحيث يسعى برنامج الأغذية العالمي لتحقيق وجوده الميداني في ليبيا مرة أخرى، فإنه يستهدف الوصول إلى 175000 شخص محتاج للمساعدة الغذائية في جميع أنحاء البلاد هذا العام. وخلال عامي 2019 و2020، سيطلق البرنامج مبادرات جديدة في إطار الخطة الاستراتيجية المؤقتة للبلاد، من شأنها تقديم برامج مبتكرة تدعم الفئات الأكثر ضعفا في الدولة كلما تغير الوضع وتحسن للأفضل.