المؤتمر الصحفي للمدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي عقب زيارته إلى السودان
نص التصريحات كما أُلقيت
شكرًا على هذه الفرصة، وشكرًا لكم جميعًا في هذه القاعة على استماعكم.
أتحدث إليكم في الواقع من مسقط في سلطنة عُمان، لكنني أختتم للتو زيارة استمرت ثمانية أيام إلى السودان. زرت الخرطوم، والأبيض، والفاشر، وطويلة، وأتيحت لي فرصة حقيقية لأرى في خطوط المواجهة الأمامية ما يسببه هذا النزاع المروّع وتداعياته في بعض المناطق للناس ولإمكانية الوصول إلى المحتاجين وللجوع.
إذا بدأت بالحديث عن الناس، فقد التقيت بأشخاص في مختلف أنحاء البلاد. التقيت بأشخاص نزحوا قبل ثلاثة أعوام عندما بدأت الحرب، كما التقيت بأشخاص نزحوا في اليوم نفسه الذي تحدثت إليهم فيه، أو أشخاصاً ساروا أربعة أو خمسة أيام للوصول إلى مخيم للنازحين داخلياً بعد أن دُمِّرت منازلهم وقراهم. جلست مع نساء في المخيمات. وأتيحت لي فرصة التحدث إلى طالبة جامعية سابقة تجلس اليوم في ذلك الكوخ. كل ما كانت تريده هو العمل، لكن لم تكن هناك أي فرصة. لقد فقدت أفراداً من أسرتها، ووالدتها تعاني الاكتئاب، ووالدها مريض. كما تحدثت إلى نساء كنّ ينتظرن في طابور للحصول على المياه من صهريج للمياه. وعند الظهيرة تقريباً نفد الماء من الصهريج، فاضطررن إلى العودة إلى منازلهن حاملات أوعيتهن الفارغة، وهن في حالة من الضيق الشديد.
وأورد هذه الأمثلة القليلة فقط لتوضيح ما يمر به مئات الآلاف من الأشخاص في السودان اليوم، ولإظهار البعد الإنساني الكامن وراء كل هذه الأرقام التي نراها.
أما فيما يتعلق بإمكانية الوصول، فإن الرحلة بين الأبيض والفاشر، التي كانت تستغرق قبل الحرب نحو ست ساعات بالسيارة، استغرقت مني الآن ثلاثة أيام. واضطررت إلى استخدام ثلاث رحلات جوية مختلفة، استغرقت مجتمعة نحو ثماني ساعات من الخرطوم إلى أديس أبابا ثم إلى نجامينا ثم إلى أدري، قبل أن أواصل الرحلة بالسيارة لنحو 30 ساعة عبر جبال مرة للوصول إلى الفاشر. وهذا بالطبع بسبب النزاع، ولأننا غير قادرين على التحرك عبر خطوط القتال.
وأخيراً فيما يتعلق بالجوع، من المهم التأكيد على أن السودان لا يزال أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم. هناك 20 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، و14 مليون شخص نازح، ونحو 5 ملايين شخص في المرحلة الرابعة من التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، وهي مرحلة الطوارئ، وما يقرب من 200 ألف شخص ما زالوا في المرحلة الخامسة التي تنطوي على خطر الموت جوعاً. إنها أكبر أزمة جوع نواجهها في العالم اليوم.
ورغم ذلك، فإن السودان، في رأيي، لا يحظى إطلاقاً بالاهتمام الذي يستحقه. فالعاملون في المجال الإنساني يتعرضون للهجمات. وقد تعرضت إحدى قوافلنا قبل أسبوعين فقط لهجوم أثناء محاولتها الوصول إلى الدلنج في كردفان.
ولا تزال إمكانية الوصول تشكل تحدياً، كما أوضحت، بسبب الظروف الأمنية وعدم الحصول دائماً على التصاريح اللازمة. لكن العمل ممكن أيضاً. إذ يصل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة إلى ما بين 4 و5 ملايين شخص شهرياً. ويتواجد ما بين مليونين ومليونين ونصف المليون من هؤلاء الأشخاص في المناطق الأشد صعوبة من حيث الوصول. لذلك فمن الممكن إحداث فرق.
غير أن التحدي الرئيسي الذي نواجهه هو التمويل. فعملياتنا تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وهناك خطر حقيقي يتمثل في اضطرارنا إلى تقليص عملياتنا بشكل كبير خلال الأسابيع المقبلة ما لم يتم توفير تمويل إضافي.
سأستعرض معكم الرحلة التي قمت بها لتوضيح الواقع على الأرض. سأبدأ بالفاشر، لأنني من القلة الذين تمكنوا من زيارتها بعد أحداث العام الماضي. ويجب أن أقول إن تلك كانت تجربة ثقيلة للغاية. إنها مدينة تبعث على الكآبة. فقد كانت تحت الحصار لمدة 18 شهراً. وعانى سكانها من المجاعة ومن فظائع لا توصف. وكانت ذات يوم موطناً لمليون شخص وعاصمة مترامية الأطراف لدارفور.
أما اليوم فلم يبق فيها سوى عشرات الآلاف من الأشخاص. كنا نسير عبر شارع تلو الآخر، وجميع المنازل تقريباً مثقوبة بالرصاص، وكانت السيارات المحترقة منتشرة في كل زاوية تقريباً. ولم أشاهد أي نشاط اقتصادي يذكر، ولا أسواق، باستثناء عدد محدود من النساء اللواتي كنّ يبعن بعض السلع.
وقد أخبرتني بعض الأسر أنها عادت لأن الأماكن التي نزحت إليها لم توفر لها شيئاً، لكنها لم تعد إلى منازلها الأصلية لأنها أُحرقت. ولذلك استقرت في منازل مهجورة أخرى وجدتها، بينما يحاول القليل ممن بقوا أن يعيشوا متقاربين قدر الإمكان.
لقد كانت مدينة كئيبة وتجربة مؤلمة. وأكبر تجمع من الناس رأيته في الفاشر كان أثناء عمليات التوزيع التي ينفذها برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة. فنحن نصل الآن إلى نحو 20 ألف شخص بمساعدات غذائية منقذة للحياة، وهي في الواقع المساعدة الوحيدة التي تصل إلى الفاشر، والشيء الوحيد الذي يعتمد عليه الأشخاص الذين ما زالوا يقيمون هناك.
وعند مغادرتنا الفاشر مررنا بمخيم زمزم للنازحين داخلياً. وإذا كانت الفاشر تبعث على الكآبة، فإن الوضع في زمزم كان أسوأ من ذلك. فقد كان المكان مهجوراً بالكامل، والأكواخ والمنازل الصغيرة مدمرة تماماً. لم يكن هناك أحد. لقد بدا كمدينة أشباح كاملة.
وأثناء مغادرتنا الفاشر، مررنا عبر مخيم زمزم، وهو مخيم للنازحين داخلياً كان قائماً بالفعل عندما بدأ هذا الحصار. والحقيقة أن الوضع هناك كان، إن صح التعبير، أسوأ حتى من الفاشر. فقد كان المكان مهجوراً بالكامل، وكانت الأكواخ والمنازل الصغيرة مدمرة تماماً. ولم يكن هناك أي شخص؛ لقد بدا وكأنه مدينة أشباح بكل معنى الكلمة.
ثم واصلنا رحلتنا من زمزم، وسلكنا الطريق، أو بالأحرى سرنا عبر السافانا، من الفاشر إلى طويلة. وتبلغ المسافة نحو 60 كيلومتراً. واستغرقت الرحلة ساعة واحدة تقريباً. لكن أثناء عبورنا تلك المنطقة، كان من الصعب تصور أنه قبل أقل من عام فقط، عبر نحو 700 ألف شخص هذا الامتداد نفسه وقطعوا هذه الرحلة ذاتها. لقد كان ذلك النزوح الجماعي لأشخاص تمكنوا من الفرار من الفظائع التي شهدتها الفاشر وتجاوزها سعياً إلى الأمان في طويلة، فيما نعلم أيضاً أن كثيراً من تلك الفظائع ارتُكب خلال هذه الرحلة.
وعندما وصلت إلى طويلة، وكانت تلك زيارتي الثانية لها بعد زيارتي في إبريل/نيسان، وجدت بحراً لا نهاية له من الأكواخ المصنوعة من القش. ويبلغ عدد سكان المنطقة اليوم ما يقرب من مليون شخص. وعندما زرتها في إبريل/نيسان كان العدد 700 ألف شخص، ومنذ ذلك الحين وصل نحو 250 ألف شخص إضافي.
ومع أن عدد السكان ازداد بشكل كبير وتوسعت المنطقة أكثر، فإن أوضاع المأوى تحسنت بعض الشيء مقارنة بالزيارة السابقة. ففي إبريل/نيسان طالبت النساء بتوفير الأغطية البلاستيكية لتغطية الأسقف والحماية من الأمطار، وقد أصبحت متوافرة الآن، بينما لم يكن هناك شيء من ذلك آنذاك.
كما تمكنا، بوصفنا برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، من توسيع نطاق عملياتنا. ونحن نوفر المساعدات إلى جميع السكان تقريباً، أي نحو 950 ألف شخص كل شهر. لكننا لا نقدم سوى نصف الحصة الغذائية، أي كمية تكفي أسبوعين فقط، ويتم توزيعها مرة واحدة كل شهر.
ولذلك فهي غير كافية. وهناك عدد كبير من الأسر التي تعيلها نساء. فقدت كثيرات أزواجهن، وفقدت أخريات أبناءهن. والنساء اللواتي جلست معهن أكدن أنهن يكافحن لجعل هذه الحصص المحدودة تكفي أسرهن خلال الشهر. كما أن التعليم والرعاية الصحية والملاجئ والمساحات المخصصة للأطفال لا تزال غير كافية على الإطلاق. إنها الآن مدينة ضخمة يبلغ عدد سكانها مليون شخص تقريباً، لكنها تفتقر إلى أبسط المقومات الأساسية.
وفوق ذلك كله، وفي مختلف أنحاء دارفور، كان الناس يتحدثون عن الجفاف. فلم تشهد دارفور هذا المستوى من الجفاف منذ عام 1984، وذلك في وقت يُفترض أنه موسم الأمطار. والجميع يخشون أن يؤدي ذلك إلى أضرار جسيمة بالمحاصيل الزراعية، ثم بالثروة الحيوانية لاحقاً.
وقد قال لي بعض السكان: نحن نعتمد على الزراعة، ونعتمد على الغذاء الذي يوفره برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة. فإذا تضررت الزراعة بسبب الجفاف، وتراجعت مساعدات البرنامج بسبب نقص التمويل، فكيف سنتمكن من البقاء على قيد الحياة؟
وهذا هو القلق الرئيسي في دارفور خلال الأشهر المقبلة. في الواقع، بدأت رحلتي في كردفان، أو بالأحرى في الخرطوم أولاً ثم في كردفان والنيل الأزرق، حيث يتصاعد القتال الآن. وإذا كانت دارفور تمثل قبل عام بؤرة القتال، فإن بؤرة القتال اليوم أصبحت في كردفان والنيل الأزرق.
وزرت مدينة الأبيض، التي كانت مهددة بالحصار قبل بضعة أسابيع في ظل القتال العنيف الدائر في محيطها. وهي مدينة كبيرة كان يقطنها نحو مليون شخص قبل الحرب، ويبدو أن حجمها قد تضاعف الآن تقريباً. وكانت هذه المدينة في ما مضى بمثابة ملتقى السودان.
لقد كانت أشبه بروما؛ فجميع الطرق في السودان كانت تؤدي إلى الأبيض. ولذلك أصبحت نوعاً من الملاذ الآمن الذي يتوافد إليه الناس من مختلف أنحاء البلاد، وأصبحت أشبه ببوتقة تنصهر فيها فئات النازحين القادمة من كل مكان. ويوجد فيها ثمانية مخيمات للنازحين داخلياً. كما يقيم كثيرون أيضاً ضمن المجتمعات المضيفة. غير أن هذه المخيمات تعاني ضغطاً هائلاً وتجاوزت طاقتها الاستيعابية بكثير. وعندما كنت هناك، كما ذكرت، كان الناس يواصلون الوصول باستمرار.
وأعني بذلك أنني كنت في مركز التسجيل حيث وصل أشخاص في صباح ذلك اليوم نفسه. وكانت هناك نساء سرن لمدة خمسة أيام قادمات من غرب كردفان وجنوب كردفان. وقد دُمِّرت منازلهن وقراهن.
ويتمثل التحدي الذي نواجهه هناك أيضاً في التمويل. فنحن نقدم مساعدات أقل فأقل، كما نضطر إلى وقف المساعدة عن أولئك الذين وصلوا قبل ثلاثة أعوام. ولذلك فإننا نعطي الأولوية للواصلين حديثاً، ولكن ذلك يأتي بطبيعة الحال على حساب من هم هناك منذ فترة أطول، وهم في الحقيقة أشخاص لا يملكون هم أيضاً أي جهة يلجؤون إليها، ولا تتوفر لهم أي فرصة للحصول على عمل. لقد مروا بفظائع مروعة، ولا يستطيعون العودة إلى ديارهم. ولذلك فإنها بيئة شديدة التوتر والصعوبة، حيث نضطر حالياً إلى تحديد الأولويات بدقة شديدة.
أما فيما يتعلق بالتحديات، فلا يزال الوصول يشكل تحدياً رئيسياً. ولا شك في ذلك. وكما أوضحت، فإننا غير قادرين على التحرك عبر خطوط القتال بالطريقة التي نرغب فيها، لكننا نتمكن في دارفور من إدخال الغذاء من الكاميرون، أو عبر الكاميرون وتشاد إلى دارفور. وفي كردفان، نوفر الغذاء من بورتسودان ومن الخرطوم. ولذلك فنحن قادرون على إيصال المساعدات، وننجز المهمة بالفعل. إلا أن ذلك ينطوي على مخاطر كبيرة، كما رأينا عندما تعرضت شاحناتنا للاستهداف قبل أسبوعين. ومع ذلك، فإننا نبذل قصارى جهدنا.
وبطبيعة الحال، نود أن يكون لدينا مزيد من الموظفين المقيمين بصورة دائمة على الأرض في تلك المناطق الصعبة. كما نود أن تكون لدينا ترتيبات أفضل لخفض مخاطر الاشتباك، ونود كذلك أن نتمكن من التحرك براً عبر خطوط القتال، وهو ما سيكون أقل تكلفة وأسرع بكثير، بما يتيح لنا الوصول إلى عدد أكبر من الأشخاص بصورة أسرع. ونرغب أيضاً في توسيع خدماتنا الجوية. فنحن نوفر حالياً خدمة جوية إلى الخرطوم، لكن سيكون من الممتاز بالطبع أن نتمكن من القيام بذلك أيضاً في دارفور وفي الأبيض.
غير أن القضية الكبرى تظل التمويل. فلدينا الآن القدرة ولدينا الوجود على الأرض، لكننا لا نستفيد استفادة كاملة من هذا الحيز بسبب نقص التمويل. وكما قلت، فإن الخطر خلال الأسابيع القليلة المقبلة يتمثل في احتمال اضطرارنا إلى تقليص عملياتنا بدرجة أكبر، وعندها سيكون من الصعب للغاية استعادة ذلك الحيز.
وفي الختام، فإن ما نشهده في السودان يعكس بالفعل ما نشهده أيضاً على المستوى العالمي. فكل هذه العوامل تتقاطع في الوقت نفسه. هناك النزاع الذي يدفع إلى النزوح ويعطل الأسواق والتجارة. وهناك الاضطرابات البحرية في باب المندب ومضيق هرمز، التي تؤثر بشدة على السودان أيضاً نظراً لارتباطه بموانئ البحر الأحمر. وثالثاً، هناك ظاهرة النينيو والصدمات المناخية، وما نشهده حالياً من جفاف في دارفور.
وجميع هذه العوامل تتضافر لتزيد الضغوط على السكان الذين يعانون بالفعل في السودان. ولذلك، فإن المطلوب بوضوح هو وضع حد لهذا النزاع، ولا أستطيع التشديد على ذلك بما فيه الكفاية مع اقتراب انعقاد الأسبوع الرفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام. وآمل حقاً أن يكون هناك استثمار سياسي وزخم سياسي لإنهاء هذا النزاع.
وهذا هو ندائي الأول والأهم. ولكن إلى أن يتحقق ذلك، فإن الناس يستحقون أن يحصلوا على الدعم من خلال المساعدات الإنسانية الأساسية. وأشعر أننا نخفق بالفعل حالياً في حماية المدنيين في كردفان وفي النيل الأزرق. ومن المؤكد أننا أخفقنا في حماية المدنيين ومنع الفظائع التي وقعت في الفاشر العام الماضي، كما أننا لم نفعل ما يكفي من أجل أولئك النازحين داخلياً الذين انتهى بهم المطاف في المخيمات.
لكن علينا أن نفعل المزيد. علينا أن نكثف جهودنا. لا يمكننا أن نستمر في خذلان هؤلاء الناس. يجب أن نوفر لهم الأساسيات. ونشعر أن لدينا الآن القدرة على العمل على الأرض. ولدينا إمكانية الوصول، بالاشتراك مع وكالات الأمم المتحدة وتحت قيادة دينيس براون، المنسقة المقيمة.
وكل ما نريده هو إنجاز هذا العمل. ونأمل أن يبادر المانحون إلى توفير التمويل اللازم حتى نتمكن من القيام بذلك.
ملاحظة للمحررين:
يمكن تنزيل لقطات فيديو بجودة البث التلفزيوني من بعثة المدير التنفيذي بالإنابة إلى السودان من هنا.