Skip to main content

رغم المخاطر المتزايدة.. سائقو برنامج الأغذية العالمي يواصلون توفير الغذاء للأوكرانيين

يواجه سائقو برنامج الأغذية العالمي في أوكرانيا مهمة محفوفة بالمخاطر لكنها بالغة الأهمية، تتمثل في توفير الغذاء وغيرها من الإمدادات المنقذة للحياة على امتداد خط المواجهة البالغ طوله 1,200 كيلومتر، حيث ارتفع عدد الهجمات على المركبات الإنسانية بشكل حاد خلال العام الماضي.
, أناستاسيا هونشاروك، بولينا هلوشكو، أنطوان فالاس
A closeup of a hand on the steering wheel, with image of a spreading fire through the vehicle's side window. Photo: WFP/Sayed Asif Mahmud
أصبحت هجمات الطائرات المسيّرة على مركبات برنامج الأغذية العالمي وغيرها من المركبات الإنسانية في أوكرانيا متكررة. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/سيد آصف محمود

بدأت المهمة كأي مهمة أخرى. كان السائق فاسيل خلف عجلة قيادة شاحنة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي – ضمن قافلة إنسانية متجهة إلى بيلوزيركا، وهي بلدة صغيرة في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا، على بعد حوالي 10 كيلومترات من خط المواجهة في حرب دخلت عامها الخامس.

بدأت المهمة كما تبدأ أي مهمة أخرى. كان السائق فاسيل يقود شاحنة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي ضمن قافلة إنسانية متجهة إلى بلدة بيلوزيركا الصغيرة في منطقة خيرسون جنوب أوكرانيا، على بعد نحو 10 كيلومترات من خط المواجهة في حرب دخلت عامها الخامس.
 

وكانت القافلة المكونة من أربع شاحنات تحمل مساعدات إنسانية تشمل أدوية ومواد النظافة ومستلزمات الإيواء لصالح 1,400 شخص ما زالوا يقيمون في البلدة التي كان عدد سكانها سابقاً 9,000 نسمة. وعندما اقتربت القافلة من مدخل بيلوزيركا، انفجرت طائرة مسيّرة صغيرة محملة بالمتفجرات على الطريق.

ثم أصابت طائرة مسيّرة أخرى موقعاً أقرب إلى القافلة.
يقول فاسيل: "قفزنا إلى السيارة المدرعة وغادرنا بسرعة." وخلال انسحابهم، سمع أفراد القافلة شاحنته تتعرض لعدة ضربات. وعندما أصبح من الآمن العودة، كانت الشاحنة قد اشتعلت فيها النيران بالكامل.

"لو كنتُ بداخلها، لا أعتقد أنني كنتُ سأنجو"، يقول فاسيل، سائق ببرنامج الأغذية العالمي.  

فقد أصابت الطائرات المسيّرة المقصورة التي كان يجلس فيها قبل دقائق فقط. ولم يُصب أي فرد من أفراد القافلة بأذى، إلا أن جميع المساعدات الإنسانية التي كانت تنقلها احترقت بالكامل.
 
وأصبحت مثل هذه الحوادث أكثر شيوعاً بالنسبة للسائقين العاملين في المجال الإنساني في أوكرانيا. فهم يسيرون يومياً على الطرق لتوفير الغذاء وغيره من المساعدات المنقذة للحياة للمجتمعات القريبة من خطوط المواجهة، حيث تُغلق المتاجر غالباً وتبقى الأسعار مرتفعة.
 
وهذا ما يجعل دعم برنامج الأغذية العالمي، الذي يصل شهرياً إلى أكثر من 600,000 أوكراني في مناطق الخطوط الأمامية من خلال المساعدات الغذائية والنقدية، بالغ الأهمية. وبالاستفادة من أسطول شاحناته وخبراته اللوجستية، لا تنقل القوافل الأسبوعية الغذاء فحسب، بل توفر أيضاً إمدادات إنسانية أساسية مثل المستلزمات الصحية ومواد الإيواء لصالح وكالات الأمم المتحدة الأخرى والمنظمات غير الحكومية.

 

القوافل الإنسانية تحت النيران

WFP security officer in a blue jacket and helmet investigates damaged truck with smoke billowing from its top. Photo: WFP
منذ عام 2023، سجّل برنامج الأغذية العالمي 120 حادثاً أمنياً أثّر على عملياته وعمليات شركائه، من بينهم 43 حادثاً هذا العام. الصورة: برنامج الأغذية العالمي
لكن الزيادة الكبيرة في هجمات الطائرات المسيّرة خلال العام الماضي عقّدت بشكل كبير حركة القوافل وعمليات توفير المساعدات، إذ أصبحت الشاحنات ومركبات نقل الركاب وحتى محطات الوقود أهدافاً متكررة. ورغم إقامة سلطات محلية لشبكات مضادة للطائرات المسيّرة فوق مئات الكيلومترات من الطرق الرئيسية العابرة للمناطق القريبة من الجبهة، فإن تأثيرها في الحد من المخاطر يظل جزئياً.
 
ومنذ عام 2023، سجّل برنامج الأغذية العالمي 120 حادثاً أمنياً أثرت على عملياته وكذلك عمليات شركائه المتعاونين. وحتى الآن في هذا العام، تم تسجيل 43 حادثاً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف العدد المسجل طوال عام 2023.
 
ويتذكر فاسيل الحادث الذي نجا منه قائلاً: "كان الأمر صعباً من الناحية العاطفية. أما إدراك أن أطفالي كان من الممكن أن يفقدوا والدهم، فقد جاء لاحقاً، وربما كان هذا هو الجزء الأصعب."
 
وأضاف: "كنا حذرين قبل الحادث، أما الآن فأصبحنا أكثر حذراً بثلاث مرات."
 
A man in a blue WFP cap and jacket unloads boxes of WFP food under cloudy skies, backdropped by people and vehicles. Photo: WFP/Sayed Asif Mahmud
يوفّر برنامج الأغذية العالمي الغذاء في منطقة تقع على خطوط المواجهة في أوكرانيا، حيث يشكّل كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة نسبة كبيرة من السكان. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/سيد آصف محمود

وُلد فاسيل في بلدة صغيرة في منطقة ريفني غرب أوكرانيا، ويعمل سائقاً منذ عشرين عاماً، حيث كان يقود الشاحنات الصغيرة والحافلات قبل اندلاع الحرب بوقت طويل. وحتى اليوم، أثناء رحلاته الهادئة على طول حقول عباد الشمس في أوكرانيا، يتوقف أحياناً لشراء الفطائر والخضروات الطازجة من الباعة على جانب الطريق ليحملها إلى المنزل لزوجته وابنتيه.

وتشعر زوجته بالقلق في كل مرة يغادر فيها في مهمة، لكنه نادراً ما يشاركها التفاصيل كاملة حتى لا يزيد من خوفها. أما ابنتاه فتعلمان جيداً حجم المخاطر، وقد دعمتاه دائماً في مواصلة هذا العمل.

 

العمل أولاً، والخوف لاحقاً  

The front of a white vehicle seen from inside the car, with another farther away down a road covered with anti-drone nets. Photo: WFP/Sayed Asif Mahmud
يؤكد سائقو برنامج الأغذية العالمي في أوكرانيا أن حالة التأهب لا تفارقهم، كما لا يفارقهم الإصرار على إنجاز مهمتهم.
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/سيد آصف محمود

يعمل أندري في المجال الإنساني منذ عام 2012. وخلال أربعة عشر عاماً قضاها على الطريق، لم يمر أبداً بتجربة تشبه ما عاشه هذا العام، حيث نجا من هجومين استهدفا قافلته.

وقع الهجوم الأول في شهر مارس/آذار الماضي في منطقة دونيتسك، على بعد 20 كيلومترًا من خط المواجهة. كان أندري يقود السيارة الخلفية في القافلة عندما أصابت طائرة مُسيرة الشاحنة التي أمامه.

يقول أندري: "ظننت أنه مجرد غصن شجرة قد سقط. ثم اشتعلت النيران في الشاحنة فجأة." "ووفقاً للبروتوكول، قمتُ بسرعة بالرجوع بمركبتي إلى الخلف."

قام فريقه بإنقاذ السائق المصاب من مقصورة الشاحنة ونقلوه على عجل إلى أقرب مستشفى، حيث خضع لعملية جراحية. ونجا الجميع.

يقول أندري: "لا تشعر بأي شيء في تلك اللحظة. أنت تؤدي عملك فحسب. الأمر مخيف قبل الحادث وبعده. أما أثناءه، فأنت تفعل ما يجب فعله. وبعد ذلك، عندما تبدأ في استيعاب ما حدث، عندها يراودك الخوف."

"مهمتنا هي مساعدة الناس على البقاء على قيد الحياة. لذا نواصل عملنا." – أندري، سائق ببرنامج الأغذية العالمي

وجاء الهجوم الثاني في يوليو/تموز: على بعد 20 دقيقة من خط المواجهة في منطقة دنيبروبتروفسك الشرقية، بينما كانت قافلة أندري في طريقها للعودة بعد توزيع المساعدات.

يقول أندري: "أُصيبت مركبتنا المدرعة، وقفزت السيارة بأكملها في الهواء. لكن لحسن الحظ، كان الجميع بخير. وكانت مقصورة القيادة لا تزال صالحة للاستخدام، لذا واصلنا طريقنا عائدين إلى مدينة دنيبرو."

ويصف حالة من اليقظة الدائمة التي لا تغادره أبداً: "ننظر باستمرار حولنا أثناء القيادة. نعم، الأمر مخيف دائماً، لأن الضربات تأتي كوميض البرق. لا تعرف متى ستبدأ ولا متى ستتوقف."
 
وبعد الهجوم الأول، ظلت تلك المشاهد تطارده ليلاً، حيث تعود إليه ذكريات الشاحنة وهي تتمزق في لحظات غير متوقعة.
ويعترف قائلاً: "أصبح من الأصعب يوماً بعد يوم مواصلة القيادة."
 
لكن التزامه لم يتغير.
 
ويقول: "مهمتنا هي مساعدة الناس على البقاء على قيد الحياة، ولذلك نواصل الطريق. ويبقى هدف كل مهمة بالنسبة لنا هو العودة سالمين."
 

الطريق إلى الوطن

A woman carrying a WFP food box stands in front of a brick house with bikes leaning on the side of it. Photo: WFP
بالنسبة إلى تتيانا وغيرها من السكان القاطنين قرب خطوط المواجهة، تمثّل الصناديق الغذائية التي يوفّرها برنامج الأغذية العالمي وغيرها من المساعدات الإنسانية شريان حياة. الصورة: برنامج الأغذية العالمي

ويصف السكان في هذه المناطق معاناة يومية للحصول على الاحتياجات الأساسية في أماكن أُغلقت فيها المتاجر وتضاءلت فيها فرص كسب الدخل.

ويشكل كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة جزءاً كبيراً من السكان المتبقين. وحتى الوصول إلى المتاجر في المناطق المجاورة قد يكون أمراً خطيراً.

وتقول تتيانا، التي تقيم في قرية على خط المواجهة في جنوب خيرسون: "ليس من السهل علينا الوصول إلى المتاجر لأن الطائرات المسيّرة تحلق باستمرار."

لكن بالنسبة لسائق آخر في البرنامج، وهو أوليكسندر، فإن الاقتراب من الجبهة يوقظ شعوراً مختلفاً.

يقول: "مهام العمل تعيدني إلى دياري، حتى لو كان ذلك لمدة ساعة واحدة فقط. أعرف كل طريق، وكل منعطف." "أشعر وكأنني أعود إلى دياري."

«إنه شعور مرير بالحنين — أن تعرف أن وطنك موجود هناك، وأنك لا تستطيع الذهاب إليه." أولكسندر، سائق ببرنامج الأغذية العالمي يتحدث عن مسقط رأسه في منطقة دونيتسك المحتلة. 

تقع مسقط رأسه على بعد بضعة كيلومترات فقط من الطرق التي يسلكها الآن في عمله، وهي قريبة بما يكفي لدرجة أنه يكاد يراها. يقول إنها على بعد حقلين فقط، لكنها لا تزال بعيدة المنال تماماً: فهي تقع على الجانب الآخر من خط المواجهة في دونيتسك المحتلة.

ويقول أوليكسندر إن الأرض تعرّف نفسها بمجرد الاقتراب منها، من خلال رائحة دونباس المميزة: الرائحة المعدنية الدخانية لتلال "تيريكوني" المخروطية، وهي أكوام من نواتج التعدين ورمز من رموز المنطقة، ممزوجة برائحة أعشاب السهوب المحترقة وحلاوة بساتين الصيف الناضجة. ويضيف أن المنطقة الزراعية تفوح منها رائحة أرض عاش أهلها دائماً على خيرات تربتها. ويصف شعوره قائلاً: "إنه شعور مرير بالحنين، أن تعرف أن موطنك هناك على مرمى البصر، لكنك لا تستطيع الوصول إليه". ثم يتابع: "حتى ضغط الهواء يبدو مختلفاً هناك. تشعر ببساطة أنك في وطنك".

ورغم المخاطر، يواصل أوليكسندر وأندريي وفاسيل توفير الغذاء والمساعدات الإنسانية أسبوعياً لمئات الآلاف من الأوكرانيين الذين ما زالوا يعيشون في المناطق القريبة من خطوط المواجهة. ومع ذلك، ومنذ بداية العام، فقد برنامج الأغذية العالمي إمكانية الوصول إلى 354 تجمعاً سكانياً بسبب تدهور الوضع الأمني، ما أدى إلى حرمان أكثر من 15,000 شخص من المساعدات الإنسانية الحيوية.
 
وتتلقى المجموعة اللوجستية، التي تنسق القوافل الإنسانية الأسبوعية إلى مناطق الخطوط الأمامية في أوكرانيا، دعماً سخياً من الاتحاد الأوروبي.
 

تعرف على المزيد عن المجموعة الخاصة بالخدمات اللوجستية لبرنامج الأغذية العالمي وعمله في أوكرانيا

الآن هو الوقت المناسب
لاتخاذ خطوة

يعتمد برنامج الأغذية العالمي على المساهمات الطوعية بالكامل لذا فإن لكل تبرع قيمته
تبرّع الآن