Skip to main content

من الجوع إلى الحصاد: كيف يغيّر استصلاح الأراضي ملامح الحياة في منطقة الساحل الأفريقي

تعمل المبادرة التي يدعمها المجتمع المحلي التابعة لبرنامج الأغذية العالمي على إعادة تأهيل النظم البيئية المتدهورة في خمسة بلدان في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى — مما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وزيادة الدخل وتقوية الروابط الاجتماعية في الوقت نفسه.
, إيفلين فاي
A woman in a pink headscarf bends over rows green plants, backdropped by a village and trees in the Sahel. Photo: UNEP/Malachie Nabbi
شهدت المزارعة أناسا حمدان من قرية دونغولو ازدهاراً في محاصيلها بفضل مبادرة الصمود في منطقة الساحل التي يدعمها برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة. الصورة: برنامج الأمم المتحدة للبيئة/مالاشي نابّي
تتشقق الأرض تحت شمس الظهيرة الحارقة، وقد ازدادت صلابة بعد تسعة أشهر طويلة من دون أمطار. وفي قرية دونغولو الواقعة في إقليم قيرا بوسط تشاد، يخيّم الغبار في الهواء الساخن ويثقل كل حركة.
 
وتجف التربة إلى درجة أنه عند هطول الأمطار الأولى في يونيو/حزيران من كل عام، كانت كميات كبيرة من المياه الثمينة تنحدر سريعاً إلى أسفل الوديان، حاملة معها التربة الخصبة وآمال المزارعين في حصاد جيد.
 

لكن الأمور تغيرت منذ عام 2021، عندما قام سكان دونغولو، بدعم من برنامج الأغذية العالمي وشركائنا، ببناء سد يبلغ طوله 6,000 متر لاحتجاز مياه الأمطار الموسمية. وبدلاً من أن تختفي المياه في اتجاه مجرى النهر، أصبحت تُحتجز الآن في هذا السد الترابي، حيث تتسرب ببطء إلى التربة. ولا تقتصر فائدة المياه على تجديد التربة وتغذية المياه الجوفية فحسب، بل تُستخدم أيضًا لري المحاصيل وتربية الماشية – مما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وزيادة الدخل وتقوية الروابط المجتمعية في الوقت نفسه.

A man wearing a tan WFP jacket checks out a dike in a grassy plain. Photo: WFP/Evelyn Fey
يُستخدم السد المدعوم من برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في دونغولو لأغراض متعددة، بما في ذلك استعادة خصوبة الأراضي وتحسين سبل العيش وتعزيز الروابط المجتمعية. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/إيفلين فاي
تقول المزارعة أناسا حمدان، التي تزرع الذرة الرفيعة:  "اليوم لم نعد نتحدث عن الجوع. لقد حسّنا إنتاجنا الزراعي وأصبحنا نحارب الجوع."

 
وتتكرر قصة التحول في دونغولو في أنحاء منطقة الساحل، لتبرز الفوائد المتعددة لاستعادة الأراضي المتدهورة، التي تتجاوز المكاسب البيئية وحدها. 
ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في أغسطس/آب الجاري، مع انعقاد المؤتمر الدولي الرئيسي لمكافحة التصحر (COP17) في منغوليا، كما حظيت مبادرة برنامج الأغذية العالمي في منطقة الساحل بتقدير الأمم المتحدة باعتبارها مشروعاً رائداً في إطار حملتها الأوسع نطاقاً لإحياء النظم البيئية المتضررة.

منذ عام 2018، استفاد أكثر من 4 ملايين شخص من برامج برنامج الأغذية العالمي لتعزيز القدرة على الصمود، التي تجمع بين إعادة تأهيل الأراضي، وتوفير الوجبات المدرسية، والتدخلات التغذوية، بهدف تحسين الأمن الغذائي للمجتمعات الضعيفة في جميع أنحاء منطقة الساحل. 

وحتى الآن، تم إعادة تأهيل أكثر من 335,000 هكتار من الأراضي المنتجة في بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر. وبحلول عام 2030، يهدف برنامج الأغذية العالمي، بالتعاون مع الحكومات وشركاء الأمم المتحدة والجهات المانحة، إلى إعادة تأهيل 475,000 هكتار من الأراضي المنتجة – وهي خطوة حاسمة في التصدي للجوع وسوء التغذية اللذين يعاني منهما 7.4 مليون شخص في جميع أنحاء منطقة الساحل. 


 

وتقول كينداي سامبا، المديرة الإقليمية لبرنامج الأغذية العالمي لغرب ووسط أفريقيا: "تدهور الأراضي ليس أمراً لا يمكن عكسه. لدينا المعرفة والأدوات والقدرات اللازمة لإحداث فرق حقيقي. ما نحتاجه الآن هو مزيد من الاستثمار لتوسيع نطاق هذه الجهود وبناء قدرة مستدامة على الصمود."

استعادة النظم البيئية – وسبل العيش 

وتكتسب مبادرة تعزيز القدرة على الصمود أهمية بالغة في وقت يواجه فيه تشاد تحديات متزايدة الشدة وظواهر مناخية متطرفة، بما في ذلك الجفاف المتكرر الذي يدمر المحاصيل والفيضانات الكارثية التي أثرت في عام 2024 على أكثر من مليوني شخص. وفي عام 2026 وحده، كان من المتوقع أن يواجه 3.5 مليون شخص مستويات حادة من الجوع خلال موسم الشح بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب، قبل موسم الحصاد.

لذلك، فإن استعادة الأراضي المتدهورة هي أكثر بكثير من مجرد تدخل بيئي. فهي تساعد المجتمعات المحلية على إعادة بناء النظم الطبيعية التي يعتمد عليها إنتاج الغذاء.

وتقول سامبا: "من خلال تحويل مستجمعات المياه المتدهورة إلى أراضٍ منتجة، فإننا لا نستعيد النظم البيئية فحسب، بل نستعيد أيضاً سبل العيش ورأس المال البشري. وهذا يشكّل الأساس للأمن الغذائي طويل الأمد وتعزيز القدرة على الصمود في مختلف أنحاء المنطقة."

وينعكس ذلك بوضوح في قرى مثل دونغولو، حيث كانت كثير من الأسر تعتمد سابقاً على المساعدات الغذائية الموسمية خلال الفترة الفاصلة بين مواسم الحصاد، عندما تنفد مخزونات الغذاء وتزداد الحاجة إلى الطاقة والعمل لتحضير الأراضي الزراعية.

«من خلال تحويل مستجمعات المياه المتدهورة إلى أراضٍ منتجة، فإننا لا نستعيد النظم الإيكولوجية فحسب، بل نستعيد أيضًا سبل العيش ورأس المال البشري» – كينداي سامبا، المديرة الإقليمية لبرنامج الأغذية العالمي في غرب ووسط أفريقيا

أما اليوم، فقد أصبح السد المدعوم من البرنامج يعيد تغذية المياه الجوفية، ويروي الحقول والحدائق الزراعية، ويحافظ على رطوبة التربة لفترة طويلة بعد انتهاء موسم الأمطار.
وقد استعادت الأراضي التي كانت قاحلة إنتاجيتها. ففي المناطق التي تم تأهيلها، ارتفع الإنتاج الزراعي من 0.5 طن إلى طنين للهكتار الواحد.
 
وتقول المزارعة أناسا حمدان:"كنا نزرع الدخن، لكن الإنتاج لم يكن جيداً. كنا نحصد خمسة أكياس فقط، أما اليوم فنحصد أكثر من عشرين كيساً." وتشهد مناطق أخرى في الساحل تحولات مماثلة من خلال مشاريع مشابهة ينفذها البرنامج.
ويقول أحمد أكونا، المساعد المعني ببرامج الصمود في إقليم قيرا: "يساعد استصلاح الأراضي المجتمعات على إنتاج ما يكفي من الغذاء لإطعام نفسها، والتصدي للصدمات المناخية، وتقليل اعتمادها تدريجياً على المساعدات الإنسانية."

مشاريع تنفذها المجتمعات وتملكها المجتمعات

A man wielding a large stick up high stands in parched land with a hut and hills in the background. Photo: UNEP Malachie Nabbi
تبدأ عملية استصلاح الأراضي بالاعتماد على المعارف المحلية والمشاركة المجتمعية في جميع مراحل المشاريع. الصورة: برنامج الأمم المتحدة للبيئة/مالاشي نابّي

تبدأ عملية إعادة التأهيل بالمعرفة المحلية. ففي قرى مثل دونغولو بالقرب من بلدة مونغو، تحدد المجتمعات المحلية الأراضي المتدهورة التي ترغب في إعادة تأهيلها، وتناقش الأماكن التي ينبغي احتجاز المياه فيها، وتتفق على كيفية إدارة الأراضي التي تم إعادة تأهيلها.

يقدم برنامج الأغذية العالمي وشركاؤنا الخبرة الفنية والتدريب والمعدات والدعم المالي للمبادرات التي تشمل بناء هياكل لتجميع المياه، وإنشاء مشاتل، وتعزيز الزراعة المستدامة. وتساهم المجتمعات المحلية بعملها ومعرفتها المحلية ومواد البناء.

وإلى جانب الزراعة، يعمل برنامج الأغذية العالمي أيضًا على تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود بطرق أخرى: من خلال توفير الدعم التغذوي للفئات الضعيفة، وتقديم وجبات مدرسية للتلاميذ الصغار، وإتاحة الفرص للناس لتنويع سبل كسب رزقهم.

يوضح «أكونا»، أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي المتمركز في مونغو: «لا نأتي دائمًا بحلول جاهزة». "نحن ندعم ونساند ونقوم بالتنمية ونعزز ببساطة ما لا يستطيعون القيام به بمفردهم. ومساهمتهم مهمة جدًا لأنها تتيح لهم تولي زمام الأمور فيما يتعلق بجميع الأصول التي تم إنشاؤها".

ويظهر هذا الشعور بالملكية في دونغولو، حيث ساهمت المجتمعات المحلية بالحجارة والرمل اللازمين لبناء السد وشاركت في تشييده. يقول مختار إيميدان إيزو، رئيس لجنة القرية: «نحن نعمل الآن ونريد أن نستمر على هذا المنوال».

واليوم، يزرع المزارعون المحليون الخضروات والذرة الرفيعة والأرز، إلى جانب الدخن، مما يحسّن كمية وتنوع وجباتهم على مدار العام. ويقومون ببيع فائض محاصيلهم، ويستثمرون أرباحهم في إعالة أسرهم وتأمين سبل عيشهم.

ويقول إيزو:"من الأموال التي نجنيها، ندفع الرسوم المدرسية لأطفالنا ونشتري الزي المدرسي والكتب وكل ما يحتاجونه للتعليم."

Men in long robes with their cattle and camels at a water hold surrounded by sandy land and a few trees in the horizon. Photo: UNEP/Malache Nabbi
يتشارك المزارعون والرعاة موارد المياه بطرق تعزز التماسك الاجتماعي وتقوي الروابط بين المجتمعات المحلية. الصورة: برنامج الأمم المتحدة للبيئة/مالاشي نابّي

ويستفيد السد أيضاً من ري الحدائق الزراعية التي توفر للنساء الغذاء والدخل، مما يمنحهن بديلاً عن قضاء ساعات طويلة في جمع الحطب وبيعه.
وتقول المزارعة أناسا حمدان:"ساعدنا موظفو برنامج الأغذية العالمي كثيراً. فقد وفروا لنا الأدوات اللازمة لزراعة البذور. واليوم أصبح بإمكاننا إنتاج بذورنا الخاصة وعدم الاعتماد على الآخرين."
ولا تقتصر فوائد المشروع على المزارعين، إذ إنه يغذي نقاط المياه المشتركة التي يستخدمها المزارعون والرعاة معاً، مما يقلل المنافسة على الموارد الطبيعية الشحيحة ويعزز التعايش السلمي.
ويقول الراعي أنور ساهة: "نحن نعيش معاً في سلام."
ويوافقه رئيس اللجنة المحلية إيزو الرأي، بل يرى أن نجاح المشروع الحقيقي يتمثل في قدرة المجتمع على استدامته حتى بعد انتهاء دعم البرنامج.
ويقول:"نحن ندرك أهميته والفوائد التي يحققها. ونعرف كيف نحسن محاصيلنا."

أصبحت «مبادرة الساحل المتكاملة للقدرة على الصمود» ممكنة بفضل الشراكة الطويلة الأمد مع الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ)، بالإضافة إلى كندا والمملكة المتحدة والدنمارك وسويسرا وشركاء آخرين. 

تعرف على المزيد عن مبادرة برنامج الأغذية العالمي للقدرة على الصمود في منطقة الساحل الأفريقي وعملنا في تشاد 

الآن هو الوقت المناسب
لاتخاذ خطوة

يعتمد برنامج الأغذية العالمي على المساهمات الطوعية بالكامل لذا فإن لكل تبرع قيمته
تبرّع الآن