Skip to main content

مع اشتداد ظاهرة النينيو وتفاقم الجوع عالمياً، يؤتي العمل المبكر ثماره

من جنوب السودان إلى غواتيمالا، تعرّفوا على كيفية إسهام مشاريع برنامج الأغذية العالمي القائمة على العمل الاستباقي في تمكين الفئات الأكثر ضعفاً من الاستعداد بشكل أفضل للصدمات المناخية والتعامل معها.
, أنام عباس، ماشرين بيرونجي، أريستيد دينغامدوم، أندريا جيرون، فولانا راريفوسون، وهيتزي توستا
A farmer in South Sudan wearing a pink gown surveys her crops withered by drought. Photo: WFP/Gabriela Vivacqua
في مناطق واسعة من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، يُتوقع أن تؤدي ظاهرة النينيو القوية هذا العام إلى موجات جفاف، إلى جانب أمطار غزيرة وفيضانات. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/غابرييلا فيفاكوا

ما تبقى اليوم من نهر سينغايتا الموسمي في ولاية شرق الاستوائية بجنوب السودان ليس سوى امتداد طويل من الرمال يشق أرضاً أنهكها الحر الشديد. فالحقول التي كان يفترض أن تكتسي بالذرة الرفيعة والذرة الصفراء أصبحت بنية اللون وهشة، فيما تتقلص مصادر المياه، ما يضطر النساء والفتيات إلى قطع مسافات أطول بحثاً عن هذا المورد الثمين.

تقف لوكيتوي لوكالي إلى جانب مجرى النهر الجاف، وترفع بصرها إلى السماء كل يوم أملاً في هطول المطر الذي لم يأتِ بعد. وبالنسبة للأم لأربعة أطفال، يُقاس الجفاف الحالي بعدد الوجبات اليومية التي تستطيع إعدادها لأطفالها.

 

تقول لوكالي، التي تعيش في مقاطعة كابويتا الشمالية: "هناك جوع شديد هنا. الشمس تحرق كالنار ولم تهطل أي أمطار. نعاني نقصاً حاداً في الغذاء. لا توجد ذرة رفيعة. كل شيء جف."

ولا تقتصر مشاهد الأرض المتشققة وتلف المحاصيل على جنوب السودان. فمن المتوقع أن تتعرض مناطق واسعة من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية هذا العام للجفاف، وكذلك للعواصف والفيضانات، أو حتى لمزيج من هذه الظواهر، وهو ما يربطه الخبراء بظاهرة النينيو التي قد تكون من بين الأقوى على الإطلاق.
 
WFP employees load bags of grains into a warehouse that serves as a grain bank. Photo: WFP/Nelson Pacheco
ويعمل برنامج الأغذية العالمي مع المجتمعات المحلية والشركاء الإنسانيين والحكومات على تنفيذ تدابير للعمل المبكر، مثل بنك الحبوب هذا في غواتيمالا، للحد من آثار النينيو. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/ باتشيكو
وبالنسبة لأفقر الناس وأكثرهم معاناة من الجوع في العالم، قد تكون التداعيات مدمرة وتمتد حتى عام 2027. وتشير تحليلات حديثة لبرنامج الأغذية العالمي إلى أن هذه الظاهرة قد تدفع نحو 50 مليون شخص إضافي إلى الجوع الحاد، بزيادة تتجاوز الخُمس مقارنة بالأعداد الحالية. وفي أفريقيا وحدها، يقدّر البنك الأفريقي للتنمية أن تؤدي الظاهرة إلى خفض الناتج الاقتصادي في البلدان المتضررة بما يصل إلى 20 مليار دولار أمريكي والتسبب في موجات نزوح واسعة.
 

غير أن برنامج الأغذية العالمي يعمل مع الحكومات والشركاء الإنسانيين لتجنب هذه السيناريوهات الأسوأ من خلال نهج يُعرف باسم "العمل الاستباقي". ومن خلال هذا النهج، تُساعد المجتمعات الأكثر ضعفاً على الاستعداد قبل وقوع الكوارث من خلال مبادرات تشمل المساعدات النقدية، ودعم الزراعة، والتأمين، ونظم الإنذار المبكر، في بلدان مثل غواتيمالا ومدغشقر وباكستان وجنوب السودان.

يقول كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي: "كلما ساعدنا الأسر على الاستعداد لهذه الصدمات المناخية في وقت مبكر، ازدادت قدرتنا على إنقاذ الأرواح وحماية سبل العيش."

وفي أنحاء أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تزوّد هذه البرامج المجتمعات الضعيفة بالأدوات اللازمة لتعزيز أمنها الغذائي وقدرتها على الصمود قبل أن تشتد آثار النينيو، وهي أدوات يمكن أن تقلل بشكل كبير من تكاليف الاستجابة في مرحلة لاحقة. 

جنوب السودان: التحرك قبل أن يجف النهر

 

A women bends over an open fire stirring a porridge with a stick, while another sits nearby on a plastic jug watching her and smiling. Photo: WFP/Gabriela Vivacqua
أتاحت المساعدات النقدية الاستباقية التي قدمها برنامج الأغذية العالمي في جنوب السودان لآلاف الأشخاص شراء الغذاء والاحتياجات الأساسية الأخرى للتخفيف من آثار الجفاف على المحاصيل. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/غابرييلا فيفاكوا

في جنوب السودان، قد يؤدي انخفاض معدلات هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، المرتبطان على الأرجح بظاهرة النينيو، إلى تفاقم إحدى أكبر أزمات الجوع في العالم. إلا أن الجهات الإنسانية والحكومة تحركت قبل أن تبلغ آثار الجفاف ذروتها.

وفي مايو/أيار، وزع برنامج الأغذية العالمي مساعدات نقدية استباقية على 53 ألف شخص في اثنتين من أكثر المناطق تضرراً في ولاية شرق الاستوائية، بما في ذلك مقاطعة كابويتا الشمالية التي تنحدر منها لوكالي.

وفي يوليو/تموز، شارك البرنامج مع السلطات في جنوب السودان وشركاء الإغاثة في تفعيل أول خطة وطنية للعمل الاستباقي لمواجهة الجفاف، والتي تستهدف ما يقرب من 66 ألف شخص.

كما تلقت الأسر رسائل إنذار مبكر لمساعدتها على الاستعداد للأشهر الجافة المقبلة، إلى جانب معلومات ودعم في مجالات رئيسية مثل التغذية ورعاية الماشية وإدارة المياه. ويمكن لهذا النوع من الدعم أن يساهم أيضاً في الحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي غالباً ما يتفاقم مع الصدمات المناخية نتيجة زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

تقول موتينتا شيموكا، المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في جنوب السودان: "من خلال تقديم المساعدة مبكراً، ساعدنا الأسر على حماية ما لديها وتعزيز قدرتها على الصمود."

واستخدمت لوكالي المساعدة النقدية التي قدمها البرنامج لشراء المواد الغذائية الأساسية مثل دقيق الذرة والفاصوليا، مما ساهم أيضاً في دعم الاقتصاد المحلي.

وتضيف: "وصلتنا المساعدة في الوقت الذي كنا فيه بحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى. ولولاها، لكانت معاناتنا أكبر بكثير."

تشاد ومالاوي ومدغشقر: الحد من آثار الظواهر المناخية المتطرفة

 

A man in a long tan robe receives WFP cash assistance from a WFP employee in Chad, while another man in a long white robe and turban watches. Photo: WFP/Aristide Dingamdoum
في تشاد، يستخدم المزارعون ومربو الماشية، مثل عمر أبدرمان مبودو، المساعدة النقدية الاستباقية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي لدعم أسرهم والحفاظ على سبل عيشهم.
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/أريستيد دينغامدوم
إلى الغرب، في منطقة الساحل الأفريقي، أدت معدلات الأمطار الأقل من المعتاد في تشاد إلى إطلاق جهود مبكرة للتخفيف من آثار النينيو في سبع مقاطعات تعتمد على الأمطار. وشمل ذلك توزيع رسائل إنذار مبكر ومساعدات نقدية لأكثر من 170 ألف شخص.
 

وتهدف هذه التدخلات إلى تجنب السيناريو القاتم الذي تشير إليه تقديرات برنامج الأغذية العالمي، والتي تفيد بأن النينيو قد تدفع 7.4 ملايين شخص آخرين إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد في غرب ووسط أفريقيا.

ويستخدم الرعاة والمزارعون مثل عمر عبد الرحمن مبودو، من قرية تولبا في وسط غرب تشاد، هذه المساعدات لدعم أسرهم والحفاظ على سبل عيشهم من خلال شراء أعلاف الماشية وتطوير أنظمة حصاد مياه الأمطار.

ويقول مبودو: "من دون هذه الوسائل، لما تمكنت أعداد كبيرة من الحيوانات من البقاء على قيد الحياة."

وتأتي ظاهرة النينيو الحالية بعد تلك التي شهدها العالم خلال عامي 2023 و2024، والتي تسببت في فيضانات واسعة النطاق في شرق أفريقيا وجفاف شديد في أجزاء كثيرة من الجنوب الأفريقي، مخلفة وراءها مواسم حصاد فاشلة ومستويات مرتفعة من الجوع.

واليوم، تستعد البلدان لمواجهة موجة جديدة من الاضطرابات المناخية. ففي مالاوي، التي يُتوقع أن تواجه فيضانات مفاجئة وفترات جفاف متكررة، يُرجّح أن يعاني 2.6 مليون شخص من الجوع الحاد خلال موسم الندرة بين الحصادين في 2026-2027. لذلك، يعمل برنامج الأغذية العالمي على توسيع خطط الطوارئ والاستعداد لتقديم المساعدات إلى 600 ألف من أكثر الفئات ضعفاً في جنوب البلاد.
 

A woman in a pink hooded jacket stands in front of desk getting checked off to receive WFP assistance. Photo: WFP/Jerry Andrianaivoarivony
كانت بولين تساراسوا من بين مئات الآلاف الذين تلقوا مساعدات استباقية من برنامج الأغذية العالمي بعد إعصار غيزاني الذي اجتاح مدغشقر في وقت سابق من هذا العام. واليوم تستعد البلاد لمواجهة الجفاف. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/جيري أندريانايفواريفوني

وفي مدغشقر، قد تؤدي ظاهرة النينيو إلى تفاقم وضع يُتوقع فيه أن يواجه 3.7 ملايين شخص مستويات حرجة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي خلال موسم الندرة بين أكتوبر/تشرين الأول ويناير/كانون الثاني.

ومع توقع آلية رصد الجفاف الوطنية "MapTool" حدوث جفاف شديد في الجنوب، يستعد برنامج الأغذية العالمي لتقديم المساعدة إلى 75 ألف شخص من خلال مجموعة من التدخلات تشمل المساعدات النقدية والدعم التغذوي ومعلومات الإنذار المبكر.

وقالت تانيا غوسينز، المديرة القطرية للبرنامج في مدغشقر: "قام برنامج الأغذية العالمي بدعم الحكومة في إنشاء نظام MapTool، مما جعل مدغشقر أول بلد في أفريقيا يتولى الملكية الكاملة لهذه الآلية الخاصة برصد الجفاف."

وفي وقت سابق من هذا العام، قدم البرنامج مساعدات نقدية استباقية ورسائل تحذيرية قبل إعصار غيزاني المدمر الذي اجتاح الجزيرة وتسبب في أضرار واسعة، متأثراً به أكثر من 680 ألف شخص.

وتتذكر بولين تساراسوا قائلة: "تمكنا من تخزين احتياجاتنا الأساسية استعداداً للأيام الصعبة التي أعقبت الإعصار."

باكستان: من الفيضانات إلى الجفاف

Men navigate a wooden boat through floodwaters in Pakistan. Photo: Dinar Ahmad
تستعد باكستان وأجزاء أخرى من آسيا لمزيج من الجفاف والفيضانات نتيجة ظاهرة النينيو القوية هذا العام.
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/دينار أحمد

وتستعد آسيا أيضاً لمواجهة ظواهر مناخية متطرفة. ففي باكستان، تتسبب الرياح الموسمية الحالية في حدوث فيضانات محلية في شمال البلاد، بينما تزيد ظاهرة النينيو من مخاطر الجفاف في الجنوب والغرب.

ولمساعدة المجتمعات على الاستعداد قبل وقوع الكوارث، يدعم برنامج الأغذية العالمي وشركاء الأمم المتحدة أول استراتيجية وطنية للعمل الاستباقي في باكستان.

كما يعمل البرنامج والسلطات الوطنية على تحديد المناطق الأكثر عرضة لمخاطر الفيضانات والجفاف ووضع آليات للتحرك المبكر، بما يضمن وصول المساعدة إلى الأسر قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها.

ويستند هذا العمل إلى خبرات سابقة، فعلى سبيل المثال، شهدت فيضانات عام 2025 في مقاطعة خيربور الشرقية تقديم برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) مساعدات مالية استباقية ورسائل إنذار مبكر لآلاف الأشخاص الأكثر ضعفاً.

وتقول نادية علي، وهي عاملة بأجر يومي من خيربور: "في السابق، عندما كانت الفيضانات تضرب منطقتنا، لم تكن لدينا أي مدخرات. وقد وفرت لنا هذه المساعدة المالية دعماً كنا بأمس الحاجة إليه وساعدتنا على مواجهة التحديات، بما في ذلك إتاحة الفرصة لنا للفرار أثناء الفيضانات."

حماية المحاصيل الزراعية في الممر الجاف بأمريكا الوسطى

A women in a dark shirt and red skirt bands over green crops. Photo: WFP/TVN Producciones
تشعر تيريزا غوميز بالامتنان لجهود العمل الاستباقي التي ينفذها برنامج الأغذية العالمي في مجتمعها المحلي أوريلِس بينالون في غواتيمالا، حيث لم تعد الأمطار تهطل في موعدها المعتاد. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/TVN Producciones

وعلى بُعد عشرات الآلاف من الكيلومترات، في الممر الجاف بأمريكا الوسطى، يعرب المزارعون مثل تيريزا غوميز عن امتنانهم للدعم الاستباقي الذي يقدمه برنامج الأغذية العالمي، والذي يصل إلى أكثر من 376 ألف شخص قبل أن يضرب الجفاف المتوقع المرتبط بالنينيو منطقة تمتد عبر أربعة بلدان.

وتشهد غوميز بنفسها التغيرات المناخية في مجتمعها المحلي بأوريليس بينالون في جنوب شرق غواتيمالا. فالأمطار لم تعد تأتي في موعدها المعتاد، وهو ما كانت تنذر به سابقاً حشرات الزومبوبوس، وهو نوع من النمل الملكي العملاق الذي يخرج من الأرض مع اقتراب موسم الأمطار.
 

غير أن الدعم الذي يقدمه برنامج الأغذية العالمي، بما في ذلك صوامع تخزين الحبوب لحفظ محاصيل الذرة والفاصوليا، يساعد عشرات المجتمعات على الاستعداد لفترة جفاف طويلة.

وتقول غوميز: "في السابق، عندما كانت الذرة تنفد، كنا نضطر إلى شرائها وإنفاق مدخراتنا المحدودة."

وفي مجتمع زراعي صغير في هندوراس المجاورة، يعرف المزارع فيديريكو ميدينا بارداليس جيداً معنى فشل المحاصيل بعد 69 عاماً من العمل في الزراعة. وهو أيضاً ممتن للدعم المبكر الذي يقدمه البرنامج، والذي يشمل التدريب الفني والمدخلات الزراعية والحصص الغذائية لصالح 36 ألف شخص من الفئات الأكثر ضعفاً.

ويقول: "لقد كان هذا دعماً كبيراً للغاية. نحن نعيش في وقت يصعب فيه العثور على العمل، كما أن الزراعة أصبحت أكثر صعوبة."

تُنفَّذ مبادرات العمل الاستباقي لبرنامج الأغذية العالمي بفضل الدعم المقدم من النمسا وألمانيا وأيرلندا وجمهورية كوريا (KOICA) والنرويج (NORAD) والصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ التابع للأمم المتحدة (CERF).
 

تعرف على المزيد عن ظاهرة النينيو وكيف يعمل برنامج الأغذية العالمي لحماية المجتمعات المحلية. 

الآن هو الوقت المناسب
لاتخاذ خطوة

يعتمد برنامج الأغذية العالمي على المساهمات الطوعية بالكامل لذا فإن لكل تبرع قيمته
تبرّع الآن