مع اشتداد ظاهرة النينيو وتفاقم الجوع عالمياً، يؤتي العمل المبكر ثماره
ما تبقى اليوم من نهر سينغايتا الموسمي في ولاية شرق الاستوائية بجنوب السودان ليس سوى امتداد طويل من الرمال يشق أرضاً أنهكها الحر الشديد. فالحقول التي كان يفترض أن تكتسي بالذرة الرفيعة والذرة الصفراء أصبحت بنية اللون وهشة، فيما تتقلص مصادر المياه، ما يضطر النساء والفتيات إلى قطع مسافات أطول بحثاً عن هذا المورد الثمين.
تقول لوكالي، التي تعيش في مقاطعة كابويتا الشمالية: "هناك جوع شديد هنا. الشمس تحرق كالنار ولم تهطل أي أمطار. نعاني نقصاً حاداً في الغذاء. لا توجد ذرة رفيعة. كل شيء جف."
غير أن برنامج الأغذية العالمي يعمل مع الحكومات والشركاء الإنسانيين لتجنب هذه السيناريوهات الأسوأ من خلال نهج يُعرف باسم "العمل الاستباقي". ومن خلال هذا النهج، تُساعد المجتمعات الأكثر ضعفاً على الاستعداد قبل وقوع الكوارث من خلال مبادرات تشمل المساعدات النقدية، ودعم الزراعة، والتأمين، ونظم الإنذار المبكر، في بلدان مثل غواتيمالا ومدغشقر وباكستان وجنوب السودان.
يقول كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي: "كلما ساعدنا الأسر على الاستعداد لهذه الصدمات المناخية في وقت مبكر، ازدادت قدرتنا على إنقاذ الأرواح وحماية سبل العيش."
وفي أنحاء أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، تزوّد هذه البرامج المجتمعات الضعيفة بالأدوات اللازمة لتعزيز أمنها الغذائي وقدرتها على الصمود قبل أن تشتد آثار النينيو، وهي أدوات يمكن أن تقلل بشكل كبير من تكاليف الاستجابة في مرحلة لاحقة.
جنوب السودان: التحرك قبل أن يجف النهر
في جنوب السودان، قد يؤدي انخفاض معدلات هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، المرتبطان على الأرجح بظاهرة النينيو، إلى تفاقم إحدى أكبر أزمات الجوع في العالم. إلا أن الجهات الإنسانية والحكومة تحركت قبل أن تبلغ آثار الجفاف ذروتها.
وفي مايو/أيار، وزع برنامج الأغذية العالمي مساعدات نقدية استباقية على 53 ألف شخص في اثنتين من أكثر المناطق تضرراً في ولاية شرق الاستوائية، بما في ذلك مقاطعة كابويتا الشمالية التي تنحدر منها لوكالي.
وفي يوليو/تموز، شارك البرنامج مع السلطات في جنوب السودان وشركاء الإغاثة في تفعيل أول خطة وطنية للعمل الاستباقي لمواجهة الجفاف، والتي تستهدف ما يقرب من 66 ألف شخص.
كما تلقت الأسر رسائل إنذار مبكر لمساعدتها على الاستعداد للأشهر الجافة المقبلة، إلى جانب معلومات ودعم في مجالات رئيسية مثل التغذية ورعاية الماشية وإدارة المياه. ويمكن لهذا النوع من الدعم أن يساهم أيضاً في الحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي غالباً ما يتفاقم مع الصدمات المناخية نتيجة زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
تقول موتينتا شيموكا، المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في جنوب السودان: "من خلال تقديم المساعدة مبكراً، ساعدنا الأسر على حماية ما لديها وتعزيز قدرتها على الصمود."
واستخدمت لوكالي المساعدة النقدية التي قدمها البرنامج لشراء المواد الغذائية الأساسية مثل دقيق الذرة والفاصوليا، مما ساهم أيضاً في دعم الاقتصاد المحلي.
وتضيف: "وصلتنا المساعدة في الوقت الذي كنا فيه بحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى. ولولاها، لكانت معاناتنا أكبر بكثير."
تشاد ومالاوي ومدغشقر: الحد من آثار الظواهر المناخية المتطرفة
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/أريستيد دينغامدوم
وتهدف هذه التدخلات إلى تجنب السيناريو القاتم الذي تشير إليه تقديرات برنامج الأغذية العالمي، والتي تفيد بأن النينيو قد تدفع 7.4 ملايين شخص آخرين إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد في غرب ووسط أفريقيا.
ويستخدم الرعاة والمزارعون مثل عمر عبد الرحمن مبودو، من قرية تولبا في وسط غرب تشاد، هذه المساعدات لدعم أسرهم والحفاظ على سبل عيشهم من خلال شراء أعلاف الماشية وتطوير أنظمة حصاد مياه الأمطار.
ويقول مبودو: "من دون هذه الوسائل، لما تمكنت أعداد كبيرة من الحيوانات من البقاء على قيد الحياة."
وتأتي ظاهرة النينيو الحالية بعد تلك التي شهدها العالم خلال عامي 2023 و2024، والتي تسببت في فيضانات واسعة النطاق في شرق أفريقيا وجفاف شديد في أجزاء كثيرة من الجنوب الأفريقي، مخلفة وراءها مواسم حصاد فاشلة ومستويات مرتفعة من الجوع.
واليوم، تستعد البلدان لمواجهة موجة جديدة من الاضطرابات المناخية. ففي مالاوي، التي يُتوقع أن تواجه فيضانات مفاجئة وفترات جفاف متكررة، يُرجّح أن يعاني 2.6 مليون شخص من الجوع الحاد خلال موسم الندرة بين الحصادين في 2026-2027. لذلك، يعمل برنامج الأغذية العالمي على توسيع خطط الطوارئ والاستعداد لتقديم المساعدات إلى 600 ألف من أكثر الفئات ضعفاً في جنوب البلاد.
وفي مدغشقر، قد تؤدي ظاهرة النينيو إلى تفاقم وضع يُتوقع فيه أن يواجه 3.7 ملايين شخص مستويات حرجة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي خلال موسم الندرة بين أكتوبر/تشرين الأول ويناير/كانون الثاني.
ومع توقع آلية رصد الجفاف الوطنية "MapTool" حدوث جفاف شديد في الجنوب، يستعد برنامج الأغذية العالمي لتقديم المساعدة إلى 75 ألف شخص من خلال مجموعة من التدخلات تشمل المساعدات النقدية والدعم التغذوي ومعلومات الإنذار المبكر.
وقالت تانيا غوسينز، المديرة القطرية للبرنامج في مدغشقر: "قام برنامج الأغذية العالمي بدعم الحكومة في إنشاء نظام MapTool، مما جعل مدغشقر أول بلد في أفريقيا يتولى الملكية الكاملة لهذه الآلية الخاصة برصد الجفاف."
وفي وقت سابق من هذا العام، قدم البرنامج مساعدات نقدية استباقية ورسائل تحذيرية قبل إعصار غيزاني المدمر الذي اجتاح الجزيرة وتسبب في أضرار واسعة، متأثراً به أكثر من 680 ألف شخص.
وتتذكر بولين تساراسوا قائلة: "تمكنا من تخزين احتياجاتنا الأساسية استعداداً للأيام الصعبة التي أعقبت الإعصار."
باكستان: من الفيضانات إلى الجفاف
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/دينار أحمد
وتستعد آسيا أيضاً لمواجهة ظواهر مناخية متطرفة. ففي باكستان، تتسبب الرياح الموسمية الحالية في حدوث فيضانات محلية في شمال البلاد، بينما تزيد ظاهرة النينيو من مخاطر الجفاف في الجنوب والغرب.
ولمساعدة المجتمعات على الاستعداد قبل وقوع الكوارث، يدعم برنامج الأغذية العالمي وشركاء الأمم المتحدة أول استراتيجية وطنية للعمل الاستباقي في باكستان.
كما يعمل البرنامج والسلطات الوطنية على تحديد المناطق الأكثر عرضة لمخاطر الفيضانات والجفاف ووضع آليات للتحرك المبكر، بما يضمن وصول المساعدة إلى الأسر قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها.
ويستند هذا العمل إلى خبرات سابقة، فعلى سبيل المثال، شهدت فيضانات عام 2025 في مقاطعة خيربور الشرقية تقديم برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) مساعدات مالية استباقية ورسائل إنذار مبكر لآلاف الأشخاص الأكثر ضعفاً.
وتقول نادية علي، وهي عاملة بأجر يومي من خيربور: "في السابق، عندما كانت الفيضانات تضرب منطقتنا، لم تكن لدينا أي مدخرات. وقد وفرت لنا هذه المساعدة المالية دعماً كنا بأمس الحاجة إليه وساعدتنا على مواجهة التحديات، بما في ذلك إتاحة الفرصة لنا للفرار أثناء الفيضانات."
حماية المحاصيل الزراعية في الممر الجاف بأمريكا الوسطى
وعلى بُعد عشرات الآلاف من الكيلومترات، في الممر الجاف بأمريكا الوسطى، يعرب المزارعون مثل تيريزا غوميز عن امتنانهم للدعم الاستباقي الذي يقدمه برنامج الأغذية العالمي، والذي يصل إلى أكثر من 376 ألف شخص قبل أن يضرب الجفاف المتوقع المرتبط بالنينيو منطقة تمتد عبر أربعة بلدان.
غير أن الدعم الذي يقدمه برنامج الأغذية العالمي، بما في ذلك صوامع تخزين الحبوب لحفظ محاصيل الذرة والفاصوليا، يساعد عشرات المجتمعات على الاستعداد لفترة جفاف طويلة.
وتقول غوميز: "في السابق، عندما كانت الذرة تنفد، كنا نضطر إلى شرائها وإنفاق مدخراتنا المحدودة."
وفي مجتمع زراعي صغير في هندوراس المجاورة، يعرف المزارع فيديريكو ميدينا بارداليس جيداً معنى فشل المحاصيل بعد 69 عاماً من العمل في الزراعة. وهو أيضاً ممتن للدعم المبكر الذي يقدمه البرنامج، والذي يشمل التدريب الفني والمدخلات الزراعية والحصص الغذائية لصالح 36 ألف شخص من الفئات الأكثر ضعفاً.
ويقول: "لقد كان هذا دعماً كبيراً للغاية. نحن نعيش في وقت يصعب فيه العثور على العمل، كما أن الزراعة أصبحت أكثر صعوبة."
تُنفَّذ مبادرات العمل الاستباقي لبرنامج الأغذية العالمي بفضل الدعم المقدم من النمسا وألمانيا وأيرلندا وجمهورية كوريا (KOICA) والنرويج (NORAD) والصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ التابع للأمم المتحدة (CERF).