Skip to main content

"لم أرَ شيئًا كهذا من قبل" – تأملات بشأن أزمة الجوع المتفاقمة

في منصبه الجديد كمدير تنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، يعرض كارل سكاو وجهة نظره بشأن أزمة الجوع العالمية التي تؤدي فيها النزاعات وارتفاع التكاليف ونقص التمويل إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، في حين تكافح المساعدات لمواكبة هذه التطورات.
, كارل سكاو
People carry cardboard boxes uphill through a rural village, crossing fields with mountains in the background during a distribution of aid supplies.
برنامج الأغذية العالمي يوزّع بسكويت غني بالطاقة على مئات الأسر المتضررة من زلزال في أفغانستان، أغسطس/آب 2025.
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/مكتبة الصور

نحن نواجه وضعًا بالغ الخطورة، تتزامن فيه مستويات غير مسبوقة من الجوع مع انخفاض تاريخي في التمويل.

قبل أسابيع، أطلقنا إنذاراً مفاده أنه في حال استمرار الأزمة وبقاء سعر برميل النفط فوق 100 دولار أمريكي، فإن حوالي 45 مليون شخص سيُجبرون على العيش في حالة من الجوع.

ويعود ذلك أساساً إلى أن العلاقة بين أسعار الطاقة والغذاء وثيقة للغاية في العديد من الأماكن. ففي البلدان الأكثر فقراً، ينفق الناس بالفعل كل أموالهم على الغذاء. وعندما ترتفع أسعار المواد الغذائية، يقللون من كمية الطعام الذي يتناولونه. وما حذرنا منه يتحقق الآن في الوقت الفعلي في العديد من السياقات.

ارتفاع التكاليف يؤدي إلى انعدام الأمن الغذائي

لقد ركزنا بشكل خاص على الصومال وأفغانستان وسريلانكا. في الصومال، نرى أن 2.5 مليون شخص يعانون الآن من انعدام أمن غذائي حاد. وفي أفغانستان، يبلغ العدد 2.3 مليون شخص، وفي سريلانكا 1.3 مليون شخص.

في هذه البلدان الثلاثة جميعها، هناك مزيج من القضايا التي تؤدي إلى ذلك. ارتفاع الأسعار هو أحدها، ولكن هناك أيضًا عنصر الاستجابات الإنسانية والاستجابات للتنمية التي تعاني من نقص التمويل، كما ارتفعت تكلفة ممارسة الأعمال التجارية بشكل كبير. وبسبب التمويل المحدود المتاح، يتم الوصول إلى عدد أقل من الناس.

وقد تكون الآثار طويلة المدى أكثر خطورة. فهذا هو موسم الزراعة الآن في معظم أنحاء شرق أفريقيا. وموسم الأمطار على الأبواب، ونحن قلقون حقاً من انخفاض الإنتاجية. وسيكون لذلك آثاراً واضحة خلال ستة إلى تسعة أشهر من الآن.

الاستجابة لفيروس إيبولا: أزمة داخل أزمة

Humanitarian workers in reflective vests unload boxes from a cargo plane on a runway, carrying supplies for distribution under clear sky.
موظفو برنامج الأغذية العالمي يفرغون الإمدادات من طائرة تابعة لخدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية في مطار بونيا، مقاطعة إيتوري، جمهورية الكونغو الديمقراطية، في إطار الاستجابة لتفشي مرض الإيبولا.
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/أريتي/ميشيل لونانغا

فيما يتعلق بفيروس إيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، فإن هذه أزمة داخل أزمة قائمة بالفعل. في مقاطعة إيتوري، حيث يُقال إن الفاشية بدأت، هناك مئات الآلاف من الأشخاص المشردين بالفعل – وفي الشهرين الماضيين فقط، شهدنا نزوح عشرات الآلاف من الأشخاص الإضافيين. كما يعاني مليون شخص من انعدام أمن غذائي حاد، ونحن بالكاد نلبي الحد الأدنى من المتطلبات فيما يتعلق بالاستجابة.

لدينا وجود قوي ونستخدمه الآن في الاستجابة الصحية. ونحن نعمل عن كثب مع منظمة الصحة العالمية واليونيسيف والحكومات والسلطات المحلية، التي تمثل بالفعل الخط الأمامي في الاستجابة لهذه الأزمة.

يتمثل دعمنا بشكل أساسي في توفير الخدمات اللوجستية لنقل أطقم الإسعاف الأولي والمعدات إلى الخطوط الأمامية للوباء، بالإضافة إلى توفير الإجلاء الطبي الجوي.

وهناك أيضاً جانب غذائي في هذا الأمر. فالأشخاص المعزولون أو الخاضعون للحجر الصحي بحاجة إلى الغذاء، وكذلك أسرهم التي تتأثر بغياب أحبائها.

نقص التمويل يعني وصول المساعدات إلى عدد أقل من الناس وزيادة خطر المجاعة

Two people stand amid collapsed buildings and rubble one wearing a blue vest surveying destruction in a conflict-affected urban area under cloudy sky.
كارل سكاو يزور عائلة الشملاح في مدينة غزة، فلسطين، يناير/كانون الثاني 2026. ورغم أن برنامج الأغذية العالمي تمكن من تحقيق قدر من الاستقرار في الوضع الغذائي، لا تزال الحياة بالغة الصعوبة بالنسبة للأسر.
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/ماكسيم لو ليجور

بالانتقال إلى فجوة التمويل: نحن نواجه انخفاضات تاريخية في حجم تمويلنا، بنسبة 40 في المائة على أساس سنوي. التمويل غير متوقع للغاية، وتتعرض بعض السياقات للتأثر أكثر من غيرها.

نحن نواجه الآن احتمال حدوث ظروف شبيهة بالمجاعة. ويعمل زملاؤنا على مدار الساعة لمحاولة منع ذلك. لدينا البيانات، ولدينا الخبرة، وقد قمنا بذلك من قبل، ولكن الموارد ببساطة غير متوفرة.

مع التمويل المحدود المتاح، يتم الوصول إلى عدد أقل من الناس في وقت تتزايد فيه الاحتياجات. إن التحرك الآن أوفر بكثير من الانتظار حتى تصل الكارثة.

كيف يبدو الجوع وفجوات التمويل على أرض الواقع

في أفغانستان، كنت على الحدود حيث يعود ما بين 700 إلى 1,000 شخص يومياً. قابلت أمّاً، ربما في العشرين من عمرها، مع ثلاثة أطفال. لم تكن قد عاشت في أفغانستان من قبل وكانت متجهة إلى قرية ما دون أي خطة أو آفاق لكسب الرزق.

كما زرت عيادة صحية ريفية حيث نفدت الإمدادات بالكامل. رأيت مئات الأمهات مع أطفالهن الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، واضطروا للعودة دون الحصول على أي مساعدة. كثيرات منهن كن قد سرن 3 أو 4 ساعات للوصول إلى العيادة، ثم اضطررن إلى المغادرة من دون أن يحصلن على أي شيء.

لم أرَ شيئاً مثل هذا من قبل. من الصعب وصف اليأس الذي كان يخيم على تلك العيادة.

Children sit in a circle on a mat, sharing cooked noodles from a metal tray outdoors, using hands to eat together at a temporary relief site setting.
أسرة تتناول وجبتها في ولاية جنوب غرب الصومال. إلا أن الوضع العام في مختلف أنحاء البلاد يبعث على قلق بالغ، حيث يعاني 2.5 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/أريتي/مهاد سعيد

في السودان، كنت في مخيم يضم 700 ألف شخص نجوا من الحصار وأصبحوا الآن عالقين. ترى مشهداً لا ينتهي من الأكواخ المصنوعة من القش.

لم يتبق لهؤلاء الناس شيء. نحن نرسل قوافل الغذاء ربما كل شهرين، وهذا الغذاء يكفي لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع فقط، ثم يضطرون إلى التكيف مع الوضع مرة أخرى.

هذا هو الأثر الحقيقي لتقليص التمويل.

سد الفجوة بين الاحتياجات والموارد

نحن نعمل على تضييق هذه الفجوة بين الاحتياجات والموارد من خلال زيادة الكفاءة. نحن نعمل على تحسين الفعالية من خلال تحديد الأهداف بشكل أوضح، وزيادة المساعدات النقدية بسرعة، ومساعدة الناس على الاعتماد على أنفسهم في وقت أقرب، والاستثمار في المرونة والعمل الاستباقي

كما أننا نتبنى نهجاً يركز على الخروج من المأزق، ونعزز القدرات الوطنية حتى نتمكن من الانسحاب بشكل مسؤول. وهذا أمر أساسي في الخطة الاستراتيجية الجديدة لبرنامج الأغذية العالمي، ويشكل تحولاً ضرورياً في الثقافة. وبالتعاون مع شركاء الأمم المتحدة، نعمل أيضاً على المضي قدماً بمبادرات على نطاق المنظومة.  

لذا، فنحن لا نقف مكتوفي الأيدي مكتفين بالمطالبة بالمزيد من التمويل. نحن نطرح بوضوح ما يمكننا القيام به لتقليص هذه الفجوة. لكن رغم أهمية هذه التدابير، فهي غير كافية بمفردها. ولا تزال الموارد الإضافية ضرورية لتلبية الاحتياجات العالمية.
 

هذا المقال مستمد من تعليقات أدلى بها كارل سكاو للصحفيين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم الخميس 4 يونيو. يمكنكم الاطلاع على النص الكامل للخطاب هنا. 

 

 

 

الآن هو الوقت المناسب
لاتخاذ خطوة

يعتمد برنامج الأغذية العالمي على المساهمات الطوعية بالكامل لذا فإن لكل تبرع قيمته
تبرّع الآن