ثلاث سنوات على الحرب في السودان: أحلام محطمة، وجوع متفاقم، ومساعدات متضائلة
تتذكر سلمى الأيام التي كان فيها الجيران يتشاركون الوجبات، وكان اللحم والفاكهة متوفرين بكثرة في مدينة الفاشر بغرب السودان.
أما شادية، فتحلم بالعودة إلى مجتمعها الزراعي، حيث كانت الروابط الاجتماعية قوية وكانت الأسر قادرة دائماً على "إيجاد الحلول".
وتعيش آية، البالغة من العمر 14 عاماً، على وقع صدمة مستمرة بسبب العنف الذي أودى بحياة جيرانها ودمّر حياة عادية كانت مليئة بالدراسة ومشاهدة التلفاز والرحلات في عطلات نهاية الأسبوع. واليوم، تقيم آية في مخيم من الخيام وسط الغبار، وتخشى أن تصاب بطلق ناري إذا خرجت إلى الخارج.
تقول آية، التي تحلم بأن تصبح جرّاحة في المستقبل: "كانت حياتنا جيدة جداً قبل الحرب...لكن منذ اندلاعها، انقلب كل شيء رأساً على عقب."
"هنا في السودان، يعزز الجوع والعنف بعضهما البعض في حلقة مفرغة من اليأس." – كارل سكاو، نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي
وكل هؤلاء الثلاثة ضحايا لأكبر حالة طوارئ إنسانية في العالم، حيث تدخل الحرب الأهلية في السودان عامها الرابع هذا الأسبوع. وقد أدى هذا الصراع الوحشي، الذي امتد عبر الحدود، إلى حاجة ما يقرب من 34 مليون شخص إلى المساعدة – وسيكون محور مؤتمر رفيع المستوى في برلين يوم الأربعاء (15 أبريل).
واليوم، نزح ما يقرب من شخص واحد من كل أربعة في السودان، فيما يعاني ما يقرب من شخصين من كل خمسة من انعدام الأمن الغذائي الحاد أو أسوأ. وقد انزلقت بالفعل منطقتان في البلاد، من بينهما مدينة الفاشر مسقط رأس سلمى، إلى براثن المجاعة – وهي أندر وأكثر سيناريوهات الجوع كارثية – ولا تزال المجاعة تهدّد مناطق أخرى من البلاد.
“في السودان، يعزّز الجوع والعنف بعضهما بعضاً في حلقة مفرغة من اليأس”، يقول كارل سكاو، نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، متحدثاً من مدينة طويلة في ولاية شمال دارفور، حيث لجأ أكثر من 650,000 شخص نازح. “لقد دمّر الصراع سبل العيش، واقتلع المجتمعات من جذورها، ودفع ملايين الأشخاص إلى الجوع."
في طويلة ومناطق أخرى من البلاد، المساعدات الغذائية والنقدية والدعم التغذوي التي يوفّرها برنامج الأغذية العالمي – والتي تصل إلى 3.5 مليون شخص كل شهر – تنقذ الأرواح حرفياً. وفي المناطق التي شهدت قدراً من الاستقرار الهش، تتيح مساعداتنا للمزارعين السودانيين زيادة محاصيلهم، ولتلاميذ المدارس الحصول على وجبات مغذية، وللأسر التي دمّرتها الحرب فرصة البدء من جديد.
لكن تراجع التمويل الإنساني وتأثير الصراع في الشرق الأوسط – الذي أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والوقود وتكاليف عمليات البرنامج – يهدّدان بتفاقم الجوع وتقويض المكاسب التي تحققت بشق الأنفس.
"هذه المساعدات تنقذ الأرواح”، يقول سكاو. “إنها تُبقي الأسر صامدة وتُبقي المجتمعات متماسكة."
"بداية جديدة" في الخرطوم
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/ليني كينزلي
في فبراير/شباط، استأنفت دائرة الأمم المتحدة لخدمات النقل الجوي الإنساني، التي يديرها برنامج الأغذية العالمي، أولى رحلاتها المنتظمة للعاملين في المجال الإنساني إلى الخرطوم منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. كما يخطط البرنامج لإعادة مكتبه القطري إلى العاصمة السودانية.
وتحمل المدينة، التي كانت يوماً ما نابضة بالحياة، آثاراً عميقة للصراع. فالمركبات المحترقة تصطف على جانبي الطرق التي تشق مراكز تجارية وأحياء سكنية مدمّرة. وتنتصب المباني الشاهقة كالهياكل العظمية في مواجهة سماء تظل مظلمة إلى حد كبير ليلاً.
ومع ذلك، يعود سكان الخرطوم الذين فرّوا من ويلات الحرب: ينظفون أنقاض المنازل المنهوبة والمتضررة، ويعيدون ربط منازلهم بخدمات أساسية غالباً ما تكون متقطعة، ويرسلون أطفالهم مجدداً إلى المدارس. كما يتدفق عشرات الآلاف من السودانيين الآخرين الذين شردهم الصراع إلى المدينة، أملاً في العثور على الغذاء والأمان – ومن بينهم سلمى وأسرتها التي وصلت من الفاشر قبل ثلاثة أشهر.
مررنا بالكثير من المصاعب في الطريق”، تقول سلمى، واصفة كيف أُصيب زوجها برصاصة طائشة في الرأس، ما جعله غير قادر على العمل. (لا يستخدم برنامج الأغذية العالمي الأسماء الكاملة للأشخاص النازحين حفاظاً على أمنهم وسلامتهم).
وفي الخرطوم، حصلت أسرة سلمى على بطانيات وحصائر للنوم، إلى جانب بعض أدوات الطهي والأكل. وتقول إن الجيران يساعدون قدر استطاعتهم، لكنها تفتقد أيام السلام والوفرة، حين كان أطفالها الثمانية يأكلون ما يشتهون ولم تكن تقلق على سلامتهم عند خروجهم.
ومع ذلك، تقول سلمى، وهي تتسلّم مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمي في الخرطوم، تشمل الدقيق والزيت النباتي والملح: “اليوم أشعر وكأنني مُنحت بداية جديدة”.
الحاجة إلى عمل المزيد
في العام الماضي، ساعد برنامج الأغذية العالمي في التخفيف من حدة الجوع في البلاد. وقد وصلت مساعدتنا إلى أكثر من 12 مليون شخص في عام 2025، وشملت علاج الأمهات والأطفال الصغار الذين يعانون من سوء التغذية، وتوفير وجبات وحصص غذائية للأطفال في المدارس الابتدائية ليأخذوها إلى منازلهم. وأنتج المزارعون الذين يدعمهم برنامج الأغذية العالمي ما يقرب من خمس إنتاج القمح في البلاد، مما عزز الاقتصاد المحلي وقلل من انعدام الأمن الغذائي.
لكن هذا العام، يجبرنا نقص التمويل على إعطاء الأولوية للمساعدة فقط للأشخاص الأكثر جوعاً. وحتى في هذه الحالة، فإننا نخفض الحصص إلى الحد الأدنى.
في مواقع توزيع برنامج الأغذية العالمي، تظهر الحقيقة القاسية للجوع بوضوح: النساء والأطفال يتزاحمون حول سيارات البرنامج، ويبقون في المكان وينظرون عبر الأسوار بعد أن أُبلغوا بأنهم لم يتم اختيارهم لتلقي المساعدة هذه المرة.
"نطلب من المانحين تقديم الدعم الذي نحتاجه – لتوفير الدعم المناسب للعديد من السودانيين الذين يعيشون في ظروف صعبة." – عبد الله الوردات، مدير برنامج الأغذية العالمي في السودان
يقول عبد الله الوردات، مدير برنامج الأغذية العالمي في السودان: "نحن نبذل كل ما في وسعنا كبرنامج للأغذية العالمي، لكننا بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد." "نطلب من المانحين تقديم الدعم الذي نحتاجه – لتوفير الدعم المناسب للعديد من السودانيين الذين يعيشون في ظروف صعبة."
في مخيم نازحين قاحل تعصف به الرياح الرملية في طويلة، تعدّ شادية من بين الذين لا يزالون يتلقون مساعدات برنامج الأغذية العالمي، والتي تتيح لأسرتها الحصول على الغذاء. ومثل سلمى، لديها ثمانية أطفال، تضطر الآن إلى إعالتهم بمفردها بعد وفاة زوجها في أغسطس/آب الماضي. وتصف كيف نجت في مدينة الفاشر المحاصرة بفضل الغذاء الذي كان يتقاسمه الجيران – قبل أن تضطر إلى الفرار والتنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن الأمان.
"أشعر بذهول شديد عندما أفكر في ما قد يحدث إذا توقفت المساعدات فجأة”، تقول شادية، وهي تفكر حتى في احتمال العودة إلى الفاشر. وتضيف: “نحن مزارعون، ودائماً نزرع المحاصيل. وإذا تمكنا من العودة، فلدينا هناك مجتمع قوي."
أما الطالبة آية وأسرتها، فقد انتهى بهم المطاف أيضاً في طويلة. وهي بدورها تستعيد ذكريات الماضي، ولا تزال الحرب تطاردها.
"لقد فقدنا جيراننا وأفراداً من عائلاتنا”، تقول. "بالنسبة لي ولغيري من الأطفال، أتمنى طفولة حقيقية – مليئة بالأمان والاستقرار، وفرصة للعودة إلى المدرسة."