ماذا تعني الاضطرابات في الممرات التجارية الرئيسية بالنسبة للأمن الغذائي؟
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/غبريز/محمود محمد
يعتمد الأمن الغذائي العالمي على التدفق المنتظم للأغذية والوقود والأسمدة والسلع الأساسية بين البلدان، بدءاً من المزارعين الذين يزرعون محاصيلهم وصولاً إلى وصول المنتجات الغذائية إلى الأسواق.
وعندما تتعرض الممرات التجارية الرئيسية للاضطراب، مما يؤدي إلى تأخير الشحنات وارتفاع الأسعار بشكل حاد، تمتد الآثار عبر القارات لتطال المجتمعات الأكثر ضعفاً.
واليوم، تتعرض ثلاثة من أهم الممرات التجارية العالمية لاضطرابات متزامنة. فما الذي يحدث، ولماذا يكتسب ذلك أهمية كبيرة بالنسبة للأمن الغذائي العالمي؟
لماذا يعد مضيق هرمز والبحر الأحمر والبحر الأسود مهم للأمن الغذائي؟
تلعب هذه الممرات التجارية دوراً حيوياً في نقل السلع الأساسية التي تعتمد عليها النظم الغذائية العالمية:
- مضيق هرمز: أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط والأسمدة.
- مضيق باب المندب: يربط البحر الأحمر بقناة السويس، التي تشكل شرياناً رئيسياً للتجارة بين آسيا وأوروبا ومناطق أخرى من العالم.
- البحر الأسود: أحد أهم ممرات تصدير الحبوب في العالم. وتمثل روسيا وأوكرانيا معاً نحو ثلث تجارة القمح العالمية، ويُشحن جزء كبير منها عادة عبر موانئ البحر الأسود.
يمكن لأي اضطراب في أحد هذه الممرات أن يؤثر على الأسواق العالمية. وعندما تتعرض هذه الممرات الثلاثة للضغوط في الوقت نفسه، يزداد خطر حدوث اختناق متزامن في سلاسل الإمداد العالمية، ما قد يدفع عشرات الملايين من الأشخاص الإضافيين إلى براثن الجوع.
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/سيد آصف محمود
كيف تؤثر أسعار النفط المرتفعة على الأمن الغذائي؟
تعتمد النظم الغذائية على الطاقة في جميع مراحلها تقريباً. فالوقود يشغّل أنظمة الري وإنتاج الأسمدة وعمليات الحصاد وتجهيز الأغذية ونقلها. وعندما ترتفع تكاليف الطاقة، ترتفع غالباً تكاليف إنتاج الغذاء ونقله أيضاً، ما يؤدي إلى زيادة أسعار الغذاء بالنسبة للمستهلكين، حتى على بُعد آلاف الكيلومترات من مناطق النزاع.
وفي السودان، على سبيل المثال، ارتفعت تكلفة السلة الغذائية الأساسية بنحو 40 بالمائة منذ فبراير/شباط 2026، و يؤدي ذلك جزئياً إلى ارتفاع أسعار الوقود. وبالتالي، فإن أي اضطراب يؤثر على شحنات النفط في منطقة معينة قد ينعكس في نهاية المطاف على أسعار الغذاء في أماكن أخرى من العالم.
كما تؤثر هذه الاضطرابات على العمليات الإنسانية. فقد واجهت عمليات برنامج الأغذية العالمي ارتفاعاً بنسبة 20 بالمائة في تكاليف الشحن و35 بالمائة في أسعار وقود الطائرات، مما يقلص الموارد المتاحة لتقديم المساعدات المنقذة للحياة للأشخاص المحتاجين إليها، ويزيد الضغط على الموارد في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات الإنسانية.
لماذا تُعد الأسمدة ضرورية للإنتاج الغذائي؟
يعني انخفاض كميات الأسمدة المتاحة للمزارعين تراجع الإنتاج الزراعي. فعندما تتعطل إمدادات الأسمدة أو تتأخر أو ترتفع تكلفتها، يضطر المزارعون إلى تقليل استخدامها، مما ينعكس على حجم المحاصيل في المواسم اللاحقة. وقد أثّر تعطل صادرات الأسمدة بشكل كبير على موسم الزراعة الحالي، لا سيما في أفريقيا وآسيا. ولا تظهر هذه الآثار فوراً، بل تتجلى بعد أشهر عندما تكون المحاصيل أقل من المتوقع وتصبح الإمدادات الغذائية أكثر شحاً.
كيف يمكن أن تؤثر هذه الاضطرابات على الأمن الغذائي مستقبلاً؟
قد تستمر آثار هذه الاضطرابات على الأمن الغذائي لفترة طويلة بعد انتهاء النزاعات نفسها. فالتأخير في إمدادات الوقود والأسمدة يمكن أن يؤثر على المواسم الزراعية المقبلة، بينما تؤدي الاضطرابات المطولة في الممرات التجارية الرئيسية إلى ارتفاع التكاليف في مختلف جوانب النظم الغذائية العالمية. وقد تظهر بعض أخطر التداعيات بعد أشهر من الآن، خلال مواسم الزراعة والحصاد المقبلة. ولهذا فإن إبقاء الموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد الغذائية مفتوحة ويمكن التنبؤ بها أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الأمن الغذائي العالمي.
ما هي البلدان الأكثر عرضة لهذه الاضطرابات؟
تميل البلدان التي تعتمد بشكل كبير على الواردات إلى مواجهة أكبر المخاطر. وتُعد بلدان أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تفرض النزاعات والنزوح والصدمات المناخية ضغوطاً هائلة على الأسر، من بين الأكثر عرضة للتأثر.
وتشير إحدى تقارير برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من 6 ملايين شخص في ثلاثة بلدان يكافحون لتلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية، وفي بعض الحالات يُدفعون نحو الجوع الحاد نتيجة الاضطرابات الناجمة عن النزاع في الشرق الأوسط.
كيف تؤثر اضطرابات التجارة الحالية على عمليات برنامج الأغذية العالمي؟
تمثل هذه الممرات التجارية أيضاً شرايين حياة إنسانية أساسية. ويعتمد برنامج الأغذية العالمي عليها لنقل المساعدات الغذائية إلى المجتمعات التي تواجه الجوع حول العالم.
ورغم تزايد الاضطرابات، واصل البرنامج إيصال المساعدات الإنسانية بالاعتماد على شراكات طويلة الأمد مع شركات الشحن ووكلاء النقل ومشغلي الموانئ الذين يدركون الطبيعة المنقذة للحياة لهذه العمليات.
كما يحرص برنامج الأغذية العالمي على شراء الأغذية من أقرب الأماكن الممكنة إلى مواقع الاحتياج، مما يساعد على تقليل زمن النقل وخفض التكاليف والحد من التعرض للممرات المتأثرة بالاضطرابات.
وفي الوقت نفسه، تواصل فرق البرنامج تطوير مسارات إمداد بديلة وخطط طوارئ لضمان استمرار وصول المساعدات إلى المجتمعات الأكثر ضعفاً عندما تتعرض الممرات التقليدية للضغط.
وفي نهاية المطاف، يساعد تدفق الغذاء والوقود والأسمدة على استمرار عمل النظم الغذائية العالمية، ويدعم الإنتاج الزراعي في المستقبل، ويُمكّن برنامج الأغذية العالمي من الوصول إلى الأشخاص الذين يواجهون الجوع عندما يكونون بأمس الحاجة إلى المساعدة. ومن شأن الحد من الاضطرابات اليوم أن يقلل من مخاطر انعدام الأمن الغذائي غداً.