الجوع يتفشى في الضفة الغربية مع فقدان العائلات لأراضيها وسبل عيشها وأملها
تضاعف معدل انعدام الأمن الغذائي، في الوقت الذي يجبر فيه نقص التمويل برنامج الأغذية العالمي على تقليص المساعدات المقدمة للفلسطينيين الأكثر ضعفاً.
, كلير نيفيل
سالم الهذالين (يظهر هنا وهو ينظر إلى كرفانات مؤقتة بالقرب من منزله في الضفة الغربية) مُنع من الوصول إلى الأراضي التي كان يرعى فيها أغنامه وكانت تعيل أسرته على مدى أجيال. تصوير: برنامج الأغذية العالمي/هيو رذرفورد
ينظر سالم الهذالين إلى التلال الجنوبية الشاسعة في محافظة الخليل بالضفة الغربية الفلسطينية، محدقاً في صف من الكرفانات البيضاء المؤقتة التي لا تبعد أكثر من 200 متر عن منزله. تتجمع التجاعيد فوق جبينه الأسمر تحت أشعة الشمس، لتعكس عبوساً عميقاً.
يقول الهذالين: "هذه أرضنا. لقد عشنا هنا منذ زمن لا نكاد نتذكر بدايته. نشأت هنا مع والدي وجدي. كل حياتنا وذكريات طفولتنا مرتبطة بهذه الأرض."
لكن الرجل البالغ من العمر 53 عاماً، مثل كثير من الفلسطينيين في الضفة الغربية، بات اليوم محرومًا من الوصول إلى الأرض التي كانت مصدر رزق لأسرته عبر أجيال متعاقبة. وتقع قرية أم الخير الصغيرة التي يعيش فيها ضمن منطقة عسكرية، ما يمنع زوجته وأطفاله الثمانية حتى من الوصول إلى دورة المياه الموجودة خارج المنزل.
"في الوقت الذي ينبغي فيه توسيع نطاق المساعدات للوصول إلى مزيد من الناس، نجد أنفسنا مضطرين لاتخاذ قرارات صعبة وحصر الدعم بالفئات الأكثر ضعفاً." – شون هيوز، المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي في فلسطين
منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة المجاور عام 2023، أدى تزايد تقلب الوضع الأمني إلى إغراق أسر في الضفة الغربية، مثل أسرة الهذالين، في دوامة من الأزمات. فمع مواجهة المجتمعات المحلية قيوداً مشددة على الحركة، وعمليات هدم للمنازل، ونزوحاً واسع النطاق للسكان، تضاعف الجوع ليؤثر على ما يقرب من مليون شخص. ومع ذلك، حتى في ظل ارتفاع الاحتياجات بشكل كبير، تجبر التخفيضات في التمويل برنامج الأغذية العالمي على تقليص المساعدات الغذائية إلى النصف اعتبارًا من شهر سبتمبر/أيلول الجاري، بحيث لن يتمكن من الوصول إلا إلى 200 ألف شخص في مختلف أنحاء الضفة الغربية.
ويقول هيوز: "الأسر التي كانت تعيش بشكل جيد وتعتمد على أراضيها في كسب الرزق أُجبرت على مغادرة منازلها، ودُمرت مصادر دخلها، وأصبحت غير قادرة على التنقل بحرية. وفي الوقت الذي ينبغي أن نوسع فيه استجابتنا لتلبية الاحتياجات المتزايدة، نُجبر على اتخاذ قرارات صعبة لتحديد الأولويات."
لا طعام، ولا أمان
اضطر سالم الهذالين إلى بيع مواشيه بعد أن فقد إمكانية الوصول إلى أراضي الرعي الخاصة به. واليوم، تعتمد أسرته على المساعدات الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/هيو رذرفورد.
تعكس قصة الهذالين الصورة الأوسع للأزمة الغذائية المتفاقمة في الضفة الغربية. فهو ينتمي إلى مجتمع الرعاة البدو في فلسطين، وقد اعتمد هو وأسرته طوال حياتهم على تربية الماشية. ويقول: "منذ ولادتي ونحن نربي الأغنام. كنا نرعاها ونأخذها إلى المراعي."
لكن خلال العامين الماضيين، مُنع من الوصول إلى أراضي الرعي الخاصة به. ويقول: "لم يكن أمامي خيار سوى تقليص عدد الأغنام لتغطية نفقاتنا. فقد انخفض عدد الأغنام التي أملكها من 150 رأساً إلى 3 رؤوس فقط."
وباتت أسرة الهذالين تعتمد الآن على الطرود الغذائية الشهرية التي يوفرها برنامج الأغذية العالمي، والتي تشمل دقيق القمح والعدس وزيت الطهي، إضافة إلى قسائم بقيمة 16 دولاراً أمريكياً للفرد لشراء احتياجات أخرى من المتاجر المشاركة.
ويقول: "إنه شعور مؤلم للغاية لأسباب كثيرة. أولاً تشعر بالعجز، لأنك لا تستطيع توفير أبسط حقوق أطفالك. وثانياً لا تستطيع حتى أن تضمن أن يناموا بسلام ويشعروا بالأمان."
ويواجه العديد من الفلسطينيين الآخرين مصاعب مماثلة. ووفقاً للأمم المتحدة، فقد نزح أكثر من 3,800 فلسطيني في أنحاء الضفة الغربية حتى الآن هذا العام. كما تدفع العمليات العسكرية وتصاعد عنف المستوطنين المزيد من الأسر مثل أسرة الهذالين إلى أوضاع متأزمة، وهو توجه يتفاقم بشكل مستمر منذ اندلاع الحرب في غزة، واشتد بشكل خاص خلال هذا العام.
ويؤدي الركود الاقتصادي الشديد إلى تفاقم الأوضاع. فقد تضاعف معدل البطالة في الضفة الغربية أكثر من مرتين ليصل إلى 30 في المائة منذ عام 2023. إن انخفاض الدخل، وتأخر دفع رواتب القطاع العام، والاعتماد المتزايد على الائتمان، كلها عوامل تجبر العائلات على بيع الماشية والأصول الأخرى، أو التخلي عن وجبات الطعام من أجل البقاء على قيد الحياة. ويُظهر أحدث تحليل للأمن الغذائي أجراه برنامج الأغذية العالمي أن أكثر من ثلث سكان الضفة الغربية يكافحون من أجل تلبية احتياجاتهم الأساسية والحصول على غذاء مغذٍ.
"إذا توقفت هذه المساعدات، فأنا حقاً لا أعرف ماذا سيحدث لنا." سالم الهذالين، راعٍ بدوي من الضفة الغربية
طوال هذه الأزمة المتفاقمة، شكّلت مساعدات برنامج الأغذية العالمي شريان الحياة للعديد من الأسر. وبالتعاون مع السلطات الفلسطينية وشركاء الأمم المتحدة، قدم برنامج الأغذية العالمي دعماً منتظماً نقدياً وغذائياً وتغذويّاً ودعماً لسبل كسب الرزق لأكثر من 400,000 شخص من الفئات الأكثر ضعفاً: النازحون، والأطفال والأمهات الذين يعانون من سوء التغذية، وأسر الرعاة البدو مثل أسرة الهذالين.
يقول هيوز من برنامج الأغذية العالمي: "نضطر الآن إلى اتخاذ أصعب القرارات لإعطاء الأولوية في تقديم المساعدة للفئات الأكثر ضعفاً فقط – في الوقت الذي ينبغي أن نعمل فيه على توسيع نطاق المساعدة لتلبية الاحتياجات الغذائية المتزايدة."
تصل المساعدات الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي إلى الفئات الأكثر ضعفاً في الضفة الغربية، ومن بينهم عائشة البالغة من العمر 84 عاماً، والتي تستخدم القسائم الإلكترونية التابعة للبرنامج لشراء الاحتياجات الأساسية من المتجر. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/هيو رذرفورد.
لكن مع تناقص الموارد بسرعة، قد تفقد مئات الآلاف من الأسر الفلسطينية الأخرى المساعدات الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي قبل نهاية العام، ما سيتركها من دون أي مصدر آخر للدعم.
ويقول الهذالين: "بصراحة، هذه المساعدات هي الشيء الوحيد الذي يبقينا على قيد الحياة." ويضيف: "نشعر أننا نسير في طريق مظلم ولا نعرف إلى أين نتجه. وإذا توقفت هذه المساعدات، فأنا حقاً لا أعرف ماذا سيحدث لنا."
ويحتاج برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بشكل عاجل إلى 386 مليون دولار أمريكي إضافية لمواصلة توفير المساعدات الغذائية لـ 2 مليون شخص في غزة والضفة الغربية حتى فبراير/شباط 2027.