Skip to main content

الصراع في الشرق الأوسط يزيد من حدة نقص الخبز في غزة التي تعاني بالفعل من الجوع

على الرغم من المساعدات الغذائية وغيرها من أشكال الدعم التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي، فإن المخابز المتضررة والقيود المفروضة على الإمدادات وارتفاع التكاليف تحد من إنتاج الخبز، مما يضيف معاناة جديدة إلى سكان غزة المنهكين من الصراع
, ماكسيم لو ليجور
A man in a baseball cap and dark jacket stands in front of a shop partially covered in plastic, with a long line of customers. Photo: WFP/Maxime Le Lijour
أدّت الارتفاعات الحادة في الأسعار وتقطّع الواردات المرتبطة بأزمة الشرق الأوسط إلى تفاقم معاناة جديدة لسكان غزة، مثل محمد أبو طير. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/ماكسيم لو ليجور

مع بزوغ الفجر، كان محمد أبو طير يقف بالفعل في طابور أمام متجر محلي في مدينة خان يونس الواقعة في وسط غزة.

لا تزال أبواب المتجر المعدنية الضخمة مغلقة بإحكام. ومع ذلك، يستمر طابور الرجال والنساء والأطفال الذين يتحدون برد الصباح في الازدياد.

يقول أبو طير، الذي يرتدي قبعة بيسبول وسترة داكنة لحمايته من البرد: "أنا واقف هنا منذ الساعة 6 صباحاً. آتي إلى هنا كل يوم لشراء رابطة واحدة من الخبز. لكننا عائلة مكونة من تسعة أفراد – ورابطة واحدة لا تكفي."

عادةً ما تخبز عائلة أبو طير الخبز في المنزل. لكن ذلك تغير بعد اندلاع أزمة الشرق الأوسط التي عصفت بالمنطقة. في البداية، ولمدة تزيد عن شهر، لم يدخل أي دقيق قمح تجاري إلى غزة، مما تسبب مؤقتاً في ارتفاع الأسعار. 

يقول أبو طير، مستعيداً صدمته من ارتفاع الأسعار قبل بضعة أسابيع، مما دفعه إلى شراء الخبز المدعوم من متجره المحلي: "ذهبت إلى السوق بحثاً عن كيس دقيق". "ولكني عاطل عن العمل ولا أستطيع تحمل تكلفة ذلك".

"غاز الطهي ومستلزمات الحياة بشكل عام باهظة الثمن في الوقت الحالي." –علاء  الصاوي صافي، صاحب متجر في غزة

أدى تقلب أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى زيادة المعاناة على سكان غزة الذين خرجوا لتوهم من حرب دامت عامين. بعد مرور ما يقرب من سبعة أشهر على وقف إطلاق النار، لا تظهر أي بوادر للانتعاش. يعاني حوالي 80 في المائة من القوى العاملة في غزة من البطالة، ويواجه الكثيرون الجوع. وخلص تقرير صدر مؤخراً عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن القطاع سيحتاج إلى 71.4 مليار دولار أمريكي خلال العقد المقبل من أجل عملية الانعاش وإعادة الإعمار.

كان الدعم المقدم من برنامج الأغذية العالمي، الذي سمح للمتاجر بتوفير الخبز المسطح بأسعار مدعومة، بمثابة شريان حياة للكثيرين هنا مثل أبو طير – ولكن فقط طالما استمر وصول الدقيق والوقود إلى المخابز المحلية. 

Commercial bakers in blue caps and jackets arrange balls of dough on a large tray. Photo: WFP/Maxime Le Lijour
يوفّر برنامج الأغذية العالمي الدقيق والوقود لـ 26 مخبزًا في مختلف أنحاء قطاع غزة، والتي توفّر مجتمعةً نحو ثلث احتياجات القطاع من الخبز. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/ماكسيم لو ليجور

يقول صافي، صاحب متجر متعاقد مع برنامج الأغذية العالمي: "أسعار غاز الطهي ومستلزمات الحياة بشكل عام مرتفعة في الوقت الحالي، خاصة منذ بداية شهر مارس/آذار."

صافي هو واحد من 164 تاجراً يبيعون الخبز الذي ينتجه 26 مخبزاً في أنحاء غزة يزودهم برنامج الأغذية العالمي بالدقيق والوقود. وتوفر هذه المخابز حوالي ثلث احتياجات القطاع من الخبز.

ومن بين كل عشرة ربطات خبز تنتجها المخابز المدعومة من برنامج الأغذية العالمي، تذهب ثمانية ربطات إلى تجار التجزئة، حيث تُباع بسعر محدد يبلغ ثلاثة شيكلات (حوالي دولار أمريكي واحد). أما باقي الخبز فيتم تقديمه مجاناً للعائلات في مطابخ الوجبات الساخنة.

خبز الحياة في غزة

Young men walk out of a small bakery carrying plastic bags of flatbread. Photo: WFP/Maxime Le Lijour
يُعد الخبز العربي عنصرًا أساسيًا في المائدة الفلسطينية ويُؤكل مع كل وجبة، وكان بمثابة شريان الحياة لسكان غزة خلال الحرب.
قبل اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان في القطاع ما يقرب من 100 مخبز مسجّل ومزدهر، إلى جانب عدد كبير من المخابز الصغيرة غير الرسمية. وكان الخبز الطازج الذي تنتجه هذه المخابز ركيزة أساسية في الحياة اليومية الفلسطينية، ويُؤكل مع كل وجبة تقريبًا.
 
وخلال الحرب، أدّت المخابز دورًا حيويًا في مواجهة تصاعد الجوع وانعدام الأمن الغذائي، إلى أن اضطرت إلى الإغلاق بعد فرض حصار على المساعدات استمر شهرين وبدأ في مارس/آذار 2025. وقد دُمّر العديد منها أو تضرر بشدة جرّاء الغارات الجوية والقصف، فيما لا تزال خطوط إنتاج كاملة مدفونة تحت الأنقاض، وباتت خارج نطاق الإصلاح.

"عملنا ليل نهار لإزالة الأنقاض وإعادة بناء ما ترونه اليوم." – طارق عويضة، صاحب مخبز حيفا في خان يونس

يقول طارق عويضة، صاحب مخبز حيفا في خان يونس: "في يوليو/تموز 2025، حولت غارة جوية مخبزي إلى أنقاض". قُتل والده، الذي كان يملك المخبز سابقاً، أثناء ذهابه لتقييم الأضرار، إلى جانب ابن أخ عويضة. "عملنا ليل نهار لإزالة الأنقاض وإعادة بناء ما ترونه اليوم".

لم تكن عملية إنقاذ معدات المخبز من تحت الأنقاض سهلة. ويضيف: «لا شيء هنا جديد. كل ما ترونه تم إصلاحه». وقد أعيد افتتاح المخبز في مارس/آذار، لكن معظم المعدات بالكاد تفي بمتطلبات العمل.

ومع القيود المفروضة على دخول مواد البناء إلى قطاع غزة، وغياب الموارد المالية، تبدو إعادة إعمار المخابز مهمة شبه مستحيلة في الوقت الراهن.

The rubble of a Gaza bakery from the war. Photo: WFP/Maxime Le Lijour
مخبز "الحلو" في خان يونس لم يعد سوى كومة من الأنقاض جرّاء حرب غزة. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/ماكسيم لو ليجور

يقول محمد زيدان، صاحب مخبز آخر يدعى "القلعة" في بلدة دير البلح: "من الصعب جدًا العثور على المواد الخام والمعدات بسبب القيود المفروضة على ما يُسمح بعبوره عبر الحدود."

ويضيف: "حتى عندما تجدها في السوق، فإنها باهظة الثمن بشكل لا يصدق". "بعض قطع الغيار التي كنا نستوردها سابقاً من إسرائيل مقابل 5,000 شيكل تكلف الآن أكثر من 40,000، ولا يوجد أي منها جديدة."

وتشكل صيانة خط الإنتاج المتقادم مشكلة أخرى. يقول زيدان: "مرت ثلاث سنوات منذ أن خضعت آلاتي للصيانة المناسبة. لقد أصبحت بالية للغاية."

ويقع مخبز "الحلو" المجاور لمخبز حيفا في خان يونس، والذي لم يعد سوى كومة من الأنقاض، على بُعد مئات الأمتار من ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث يبدأ الجزء من قطاع غزة الخاضع حاليًا للسيطرة الإسرائيلية. ويعتاد السكان في هذه المنطقة على أصوات إطلاق النار والانفجارات، فيما تؤجل بعض المتاجر ساعات افتتاحها لأن الزبائن يخشون الخروج في ساعات الظلام.

الحفاظ على استمرار الاقتصاد المحلي

A man stands in front of a large - and empty - bakery with bread trays piled behind. Photo: WFP/Maxime Le Lijour
يعرب محمد زيدان، صاحب مخبز "القلعة"، عن تقديره لنموذج الإنتاج الجديد القائم على السوق الذي يعتمده برنامج الأغذية العالمي، لما يوفره من تحكّم تشغيلي أكبر – لكنه يؤكد حاجته إلى قدر أكبر من اليقين ليستطيع تشغيل عمله.
الصورة: برنامج الأغذية العالمي/ماكسيم لو ليجور

 يعد مخبز "القلعة" من بين عدة مخابز تم التعاقد معها مؤخراً في إطار نموذج الإنتاج الجديد القائم على السوق الذي يتبعه برنامج الأغذية العالمي. ويتيح هذا المشروع التجريبي – الذي يقتصر دور برنامج الأغذية العالمي فيه على توفير الديزل فقط، بينما تتولى المخابز توفير كل ما عدا ذلك بنفسها – مزيداً من التحكم التشغيلي للشركات، ويحفز المنافسة، ويمنح العملاء خيارات أكثر.

يعكس هذا المشروع التجريبي تحولاً نحو حلول قائمة على السوق تدعم الشركات المحلية – ولكن فقط في الأماكن التي يمكن أن تعمل فيها سلسلات الإمداد التجارية.

يقول محمد زيدان، مالك مخبز القلعة: "ما نقوم به هو ضمان حصول الناس على الخبز". 

وبالنسبة لأصحاب المخابز مثل زيدان، يتيح هذا النموذج فرصة لإعادة تشغيل الأعمال وتوفير فرص عمل رغم القيود الواسعة النطاق.
 

ويقول: "يمكن لكل مخبز في غزة إعالة حوالي 100 شخص وعائلاتهم"، في إشارة إلى الوظائف في مجالات التوريد والنقل والإنتاج والأمن والمبيعات. "وهذا يساعد في الحفاظ على استمرار الاقتصاد المحلي".

لكن أزمة الشرق الأوسط تعرض المخابز أيضاً لنفس حالة عدم اليقين التي تؤثر على السوق بشكل عام. وبينما تدخل بعض الإمدادات التجارية الآن إلى القطاع، فإنها تظل محدودة وغير متوقعة. ويخشى أصحاب المخابز مثل زيدان من أن يضطروا إلى إبطاء العمل أو الإغلاق مرة أخرى. 

والمشكلة تتجاوز الخبز. فالعديد من التجار يختارون استيراد منتجات ذات هوامش ربح أعلى، مما يؤدي إلى نقص في بعض المواد الغذائية الأساسية.

يقول زيدان: "نحتاج إلى فتح جميع المعابر المؤدية إلى غزة وأن نتمتع بحرية استيراد ما نحتاجه لتسيير أعمالنا." "ففي النهاية، ما نقوم به هو ضمان حصول الناس على الخبز ليأكلوه."

تعرف على المزيد عن عمل برنامج الأغذية العالمي في فلسطين وأزمة الشرق الأوسط 

الآن هو الوقت المناسب
لاتخاذ خطوة

يعتمد برنامج الأغذية العالمي على المساهمات الطوعية بالكامل لذا فإن لكل تبرع قيمته
تبرّع الآن