من الدمار إلى التعافي: مزارعو غزة يسعون لاستعادة محاصيلهم بعد النزاع
باستخدام أيديهم وأدواتهم التالفة، يحفر المزارع عيسى شام الله وأبناؤه الأربعة عميقًا في أرضهم في مدينة غزة، على أمل أن تصل جذور كرومهم إلى جيوب من المياه الجوفية الضحلة.
عائلة شام الله زرعت العنب في حيّها لأجيال — حتى إن المنطقة تُعرف محليًا باسم "شام الله" لكن عامين من الحرب جعلت أرضهم يصعب التعرف عليها: مدفونة تحت الركام، تخفي تحتها جثثًا وذخائر غير منفجرة.
في الوقت الحالي، لا بديل عن الابتكار والاعتماد على النفس. هذه حال الكثيرين من أهل غزة بينما يمرّ عليهم 100 يوم من وقف هش لإطلاق النار - وسنة لا تقل غموضًا في الأفق.
الصور: برنامج الأغذية العالمي/ماكسيم لو ليجور
سمح وقف إطلاق النار بدخول مزيد من الغذاء والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وقد وسّع برنامج الأغذية العالمي عملياته المنقذة للحياة بشكل كبير، حيث وصل لأكثر من مليون شخص شهريًا وساهم في درء خطر المجاعة.
لكن 77% من السكان لا يزالون يواجهون مستويات الأزمة جراء انعدام الأمن الغذائي. ويشمل ذلك 100 ألف شخص يعيشون في مستوى كارثي من الجوع — وهو أعلى مستوى للجوع — وذلك وفقًا لتقييم حديث أجراه خبراء. كما يعاني مئات الآلاف من الأطفال والحوامل والمرضعات من سوء تغذية حاد.
“حققنا تقدمًا مهمًا في جعل الغذاء متوفرًا منذ بدء وقف إطلاق النار، لكن هذه المكاسب هشة للغاية.”
الأمطار الشتوية الغزيرة تتسرب إلى الخيام البالية. ومع أن بعض الأغذية متاحة في الأسواق، إلا أن أسعارها لا تزال مرتفعة جدًا على معظم الأسر. العديد من المباني — بما فيها منازل عائلة شام الله — مدمرة جزئيًا أو كليًا. وقد دُمر أكثر من 90% من الأراضي الزراعية في غزة، إلى جانب البيوت البلاستيكية ومصادر المياه. وبسبب الركام والمخاطر الأمنية والقيود المفروضة على الحركة، لا يتاح للمزارعين سوى 4% فقط من الأراضي الصالحة للزراعة.
الحفاظ على الوصول عبر جميع المعابر، وتدفق المساعدات الإنسانية والسلع التجارية، واستمرار وقف إطلاق النار عناصر حاسمة للحد من الجوع.
يقول ويلي نيييكو، منسق عمليات الطوارئ لدى برنامج الأغذية العالمي في غزة: "حققنا مكاسب مهمة في إتاحة الغذاء في غزة منذ بدء وقف إطلاق النار، لكنها مكاسب شديدة الهشاشة. ومع استمرار تعطل الأسواق وسبل العيش، لا تزال الأسر تعتمد بشكل كبير على المساعدات الغذائية، وليس لديها قدرة تُذكر على التعافي بمفردها.”
بالكاد يحاولون النجاة
مزارعون مثل شام الله وأسرته سيكونون عنصرًا أساسيًا في بناء مستقبل غذائي مستدام في غزة — لكنهم بالكاد ينجون الآن.
يقول يوسف، ابن عم شام الله: "زراعة العنب في دمنا. نحتاج أن نعمل في الأرض… ونحتاج أن نأكل. نحن جميعًا مزارعون هنا."
يقول نيييكو: "لكي ينتقل الناس من مرحلة البقاء على المساعدات إلى الاعتماد على الذات، يجب أن تعمل البنية التحتية والأسواق والخدمات الأساسية من جديد. وهذا يعني استعادة سلاسل الإمداد، واسترجاع الأراضي الزراعية، وإنعاش القطاع الخاص، وخلق فرص عمل."
قبل الحرب، كان نحو 40% من القطاع مزروعًا. وكانت عائلة شام الله تزرع القمح والفواكه والخضروات مثل العنب والزيتون والحمضيات. وكان القطاع الزراعي يمثل 11% من اقتصاد غزة ونحو نصف صادراتها — ومنها عنب عائلة شام الله.
"غزة بحاجة لعودة بنيتها التحتية والأسواق والخدمات كي تعمل من جديد."
“يقول شام الله: "قبل الحرب، كانت لدينا الأرض — لكن كانت لدينا وظائف أيضًا. أبنائي درسوا في الجامعة. اليوم لا يوجد دخل ثابت لأي فرد في الأسرة.”
حين اندلعت الحرب عام 2023، كانت الأرض التي اعتمدت عليها العائلة الممتدة، المكوّنة من 30 فردًا، واقعة تحت وطأة نيران الحرب حيث تعرّض حيّهم لموجات متتالية من الهجمات.
انضمّت العائلة إلى مئات الآلاف من النازحين، متنقلين من رفح جنوبًا ثم خان يونس والنصيرات شمالًا، مع تصاعد القتال.
نجت الأسرة بفضل مساعدات برنامج الأغذية العالمي وغيرها من المساعدات، وببيع قطع الحطب المتناثرة التي كانوا يجدونها ويستخدمونها للطبخ. لكنهم دفعوا ثمنًا باهظًا: فقد قُتل أحد أبناء إخوتهم أثناء خروجه لجلب المساعدة.
مع وقف إطلاق النار، عادوا ليجدوا أرضهم تحت الركام. وكان الجوع قد دفع البعض لسرقة العنب الخاص بهم. نصبوا خيامهم البيضاء أمام منازلهم المدمرة وبدأوا من جديد.
لا تزال الأسرة — مثل أغلب سكان غزة — تعتمد على المساعدات الإنسانية، بما في ذلك طرود برنامج الأغذية العالمي ودقيق القمح والمساعدات النقدية الإلكترونية بقيمة تعادل 400 دولار أمريكي.
"كل يوم أستيقظ… أنظر حولي… وأتذكر حارتي كما كانت.”
بدأت العائلة فورًا إزالة الركام، مع علمهم أن الكروم تحتاج ثلاث سنوات لتثمر. لكن باستخدام الأيدي والمعاول المكسورة، استغرق العمل وقتًا مرهقًا.
يقول شام الله: "ليست المشكلة الركام فقط… أثناء العمل وجدنا جثثًا كثيرة وذخائر غير منفجرة."
صورة: برنامج الأغذية العالمي/ماكسيم لو ليجور
لا يزال الخطر قائمًا اليوم. الغارات الجوية وهجمات الطائرات المسيرة مستمرة. وقد أصيب ابن عم شام الله، أبو رامي، إثر انفجار لغم اكتشفه ابنه الصغير في الحقل.
ومع ذلك، تتمسك الأسرة بالأمل. فهم يتذكرون حيّهم في الشيخ عجلان كأحد أجمل مناطق غزة.
يقول شام الله:“كانت أقرب إلى باريس من بقية القطاع.” هذا ما يريد أن يعيده من جديد. ويضيف: “قبل أن أموت، أريد أن أعيش حياتي كما كانت قبل الحرب… حتى لو ليوم واحد فقط.”
آخر مستجدات الوضع في غزة: برنامج الأغذية العالمي يوسّع عملياته في غزة مع مرور أكثر من 100 يوم على وقف إطلاق النار
تعرف على المزيد حول عمليات برنامج الأغذية العالمي في فلسطين