الأراضي الجافة في كينيا: كيف تعيد الزراعة رسم مستقبل الأمن الغذائي
الطريق الذي يمر عبر داداب هو مثال حي على الغبار والمسافات الشاسعة. يمتد المشهد الطبيعي تحت سماء شاسعة: تربة رملية، وشجيرات شائكة، وقطيع متفرق يتحرك عبر الأفق. هذا هو شمال شرق كينيا القاحل، مكان شكلته الحرارة وقلة هطول الأمطار ودورات الجفاف التي تزداد قسوةً.
ثم، بشكل غير متوقع، تظهر المساحات الخضراء.
صفوف من الخضروات تنبت من الأرض الجافة. تتنقل النساء بينها، يحصدن البامية والخضروات الأخرى. وقفتُ هناك أشاهدهن وهن يعملن، وقد أذهلني هذا التباين.
رأيتُ منتجات مزارع الخضروات والفواكه التي يدعمها برنامج الأغذية العالمي، من طماطم وبطيخ وفلفل حلو وخضروات ورقية، تنمو في مناطق غالباً ما ترتبط في الأذهان بمشاهد الجفاف وانحباس الأمطار.
لعقود طويلة، اشتهرت داداب، وهي واحدة من أكبر مجمعات اللاجئين في العالم، بشيء مختلف تمامًا. فقد أصبح اسمها مرادفًا تقريبًا للتهجير والمساعدة الإنسانية. يعيش اليوم أكثر من 400,000 لاجئ في مجمع داداب الواسع، جنباً إلى جنب مع المجتمعات المضيفة التي تواجه العديد من الضغوط نفسها المتمثلة في الجفاف وارتفاع درجات الحرارة ومحدودية الموارد الطبيعية. ومن المستحيل تجاهل هذا الواقع. لكن الوقوف في ذلك الحقل مع تلك النساء في صباح أحد الأيام الأخيرة كان تذكيراً بواقع آخر.
لقد اعتدنا كثيرًا على الحديث عن الضعف في داداب والمجتمعات الأخرى في الأراضي القاحلة وشبه القاحلة في كينيا – وهي أراضٍ تغطي أكثر من 80 في المائة من البلاد – لدرجة أننا نفشل أحيانًا في التحدث بما يكفي عن إمكاناتها.
خلال العام الأول لي في كينيا، سافرت عبر أجزاء من هذه الأراضي الجافة، من غاريسا وداداب في الشمال الشرقي، إلى كاكوما في مقاطعة توركانا في الشمال الغربي. لقد رأيت محاصيل من مزارع البستنة التي يدعمها برنامج الأغذية العالمي – مثل الطماطم، والبطيخ، والفلفل، والخضروات الورقية – تنمو في مناظر طبيعية تُشاهد عادةً عندما تنقطع الأمطار.
كما التقيت بأشخاص مثل سَحَراء، إحدى النساء اللواتي كن يحصدن الخضروات في ذلك الحقل في داداب. (ولأسباب تتعلق بالحماية، لا يُكشف عن اسمها الكامل بصفتها لاجئة). وهي عضو في منظمة تمكين يقودها لاجئون داخل المخيم، وقد أخبرتني أن ما يزرعونه يعني أن أسرهم لا تضطر إلى الاعتماد بالكامل على المساعدات الغذائية. فهم يستطيعون إضافة الخضروات الطازجة إلى وجباتهم وكسب دخل من خلال بيع الفائض منها.
ما هو أبعد من الاستجابة لأزمة الجوع المقبلة
الضعف حقيقي. فعندما تنقطع الأمطار، نرى التربة متشققة ومجاري الأنهار جافة. والماشية تضعف بسبب نقص المراعي. وتضطر الأسر إلى السير لمسافات أطول بحثًا عن الماء، ويواجه الأطفال سوء التغذية.
وعندما تؤدي هذه الصدمات إلى حاجة الأسر إلى المساعدة العاجلة، تبقى مسؤوليتنا الاستجابة قائمة. فعلى سبيل المثال، قدم برنامج الأغذية العالمي هذا العام مساعدات قائمة على التحويلات النقدية لأكثر من 367,000 شخص تضرروا من الجفاف في أربع مقاطعات شمالية من الأكثر تضرراً.
"لقد تحدثتُ مع المجتمعات المحلية والمسؤولين في الحكومات وزملائي في المجال الإنساني حول ما يتطلبه الأمر، ليس لمجرد النجاة من الجفاف القادم فحسب، بل لبناء سبل عيش قادرة على الصمود أمامه." – بيتي كا
وقد بدأنا نرى ثمار تلك الاستثمارات. في عام 2025، شملت جهود برنامج الأغذية العالمي في مجال النظم الغذائية التي تتمتع بقدرة على الصمود أمام تغيّر المناخ ما يقرب من 650,000 شخص في جميع أنحاء الأراضي الجافة والمناطق عالية الإنتاج الأخرى. وقام المزارعون الذين تلقوا الدعم من خلال المبادرات المرتبطة ببرنامج الأغذية العالمي بجمع وبيع حوالي 83,000 طن متري من المحاصيل بقيمة 21 مليون دولار أمريكي.
الاستثمار في الناس
"المياه هي العمود الفقري. إذا تم توفيرها بشكل صحيح، يصبح تحقيق الكثير من الأمور الأخرى ممكناً." – بيتي كا
بفبفضل المياه، يستطيع المزارعون تنويع المحاصيل التي يزرعونها، سواء لموائدهم أو لتحقيق دخل. كما تزداد قدرة الرعاة على حماية ماشيتهم. ولا يعني هذا أن الجفاف سيختفي، لكنه قد يغير تأثيره على الأسر.
إلا أن المياه وحدها لا تكفي. فالمزارع الذي يستطيع زيادة إنتاجه يحتاج أيضاً إلى سوق يبيع فيه منتجاته. ويحتاج الراعي إلى مراعي صحية ومعلومات تساعده على اتخاذ القرارات قبل أن يشتد الجفاف. كما تحتاج المجتمعات إلى التمويل والبنية التحتية والخدمات. ويحتاج الشباب إلى فرص لبناء سبل عيش في المناطق التي يعيشون فيها.
ولهذا السبب لا تكفي هذه الاستثمارات بمفردها. إذ يساعد برنامج الأغذية العالمي صغار المزارعين على تجميع إنتاجهم والوصول إلى الأسواق، بما في ذلك المدارس التي تشتري الأغذية محلياً لصالح برامج الوجبات المدرسية التي تديرها الحكومة. كما يدعم البرنامج المجتمعات المحلية في استعادة الأراضي والمراعي التي تعتمد عليها هذه سبل العيش.
التحرك المبكر لتعزيز الأمن الغذائي
بالنسبة للمزارعين ورعاة الماشية، قد تعمل هذه الأمطار على تجديد مصادر المياه، وإحياء المراعي، ودعم الإنتاج. لكن هطول الأمطار الغزيرة قد يؤدي أيضًا إلى حدوث فيضانات – مما يؤدي إلى تدمير المحاصيل والماشية، وقطع الطرق والأسواق، وإجبار الأسر على النزوح من منازلها. وهنا أيضًا، يتحرك برنامج الأغذية العالمي مبكرًا، مستفيدًا من التوقعات الجوية ومقدمًا الدعم لمنح المجتمعات المحلية الوقت الكافي للاستعداد للأسوأ.
ولا يُعد أي من هذه الاستثمارات تحولاً جذرياً بمفرده. لكنها مجتمعةً تمنح الأسر مزيداً من الأدوات والقدرات التي تساعدها على تجاوز الصدمات والانتكاسات.
وعندما أفكر في عامي الأول في كينيا، أجدني أعود مجدداً إلى داداب. إلى الأرض الجافة. ولكن أيضاً إلى صفوف المزروعات الخضراء. إلى سَحَراء والنساء الأخريات وهن ينحنين بين تلك المزروعات ثم ينهضن من جديد وهن يحملن الغذاء بأيديهن.