Skip to main content

الأراضي الجافة في كينيا: كيف تعيد الزراعة رسم مستقبل الأمن الغذائي

تتأمل المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في كينيا كيف يعمل البرنامج مع الحكومة والمجتمعات المحلية لتحويل المياه والزراعة وريادة الأعمال المحلية إلى فرص للتغلب على الجوع وبناء مستقبل أكثر قدرة على الصمود.
, بيتي كا
A woman in a long blue shirt and the other wearing a black hijab stand on the outskirts of a field, with people and a corrugated metal building behind them. hoto: WFP/William Orlale
في الصورة (من اليسار): بيتي كا، المديرة القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في كينيا، مع سهارا (من اليمين)، وهي لاجئة ومزارعة في مجمع داداب للاجئين في كينيا. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/ويليام أورلالي

الطريق الذي يمر عبر داداب هو مثال حي على الغبار والمسافات الشاسعة. يمتد المشهد الطبيعي تحت سماء شاسعة: تربة رملية، وشجيرات شائكة، وقطيع متفرق يتحرك عبر الأفق. هذا هو شمال شرق كينيا القاحل، مكان شكلته الحرارة وقلة هطول الأمطار ودورات الجفاف التي تزداد قسوةً. 

ثم، بشكل غير متوقع، تظهر المساحات الخضراء. 

صفوف من الخضروات تنبت من الأرض الجافة. تتنقل النساء بينها، يحصدن البامية والخضروات الأخرى. وقفتُ هناك أشاهدهن وهن يعملن، وقد أذهلني هذا التباين. 

رأيتُ منتجات مزارع الخضروات والفواكه التي يدعمها برنامج الأغذية العالمي، من طماطم وبطيخ وفلفل حلو وخضروات ورقية، تنمو في مناطق غالباً ما ترتبط في الأذهان بمشاهد الجفاف وانحباس الأمطار.

لعقود طويلة، اشتهرت داداب، وهي واحدة من أكبر مجمعات اللاجئين في العالم، بشيء مختلف تمامًا. فقد أصبح اسمها مرادفًا تقريبًا للتهجير والمساعدة الإنسانية. يعيش اليوم أكثر من 400,000 لاجئ في مجمع داداب الواسع، جنباً إلى جنب مع المجتمعات المضيفة التي تواجه العديد من الضغوط نفسها المتمثلة في الجفاف وارتفاع درجات الحرارة ومحدودية الموارد الطبيعية. ومن المستحيل تجاهل هذا الواقع. لكن الوقوف في ذلك الحقل مع تلك النساء في صباح أحد الأيام الأخيرة كان تذكيراً بواقع آخر. 

A smiling boy and woman sit in a green field surrounded by watermelons. Photo:  WFP/Dennis Matendechere
تُبرز محاصيل مثل هذه الإمكانات الزراعية الكبيرة التي تزخر بها الأراضي الجافة في كينيا. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/دينيس ماتينديتشيري

لقد اعتدنا كثيرًا على الحديث عن الضعف في داداب والمجتمعات الأخرى في الأراضي القاحلة وشبه القاحلة في كينيا – وهي أراضٍ تغطي أكثر من 80 في المائة من البلاد – لدرجة أننا نفشل أحيانًا في التحدث بما يكفي عن إمكاناتها. 

خلال العام الأول لي في كينيا، سافرت عبر أجزاء من هذه الأراضي الجافة، من غاريسا وداداب في الشمال الشرقي، إلى كاكوما في مقاطعة توركانا في الشمال الغربي. لقد رأيت محاصيل من مزارع البستنة التي يدعمها برنامج الأغذية العالمي – مثل الطماطم، والبطيخ، والفلفل، والخضروات الورقية – تنمو في مناظر طبيعية تُشاهد عادةً عندما تنقطع الأمطار. 

كما التقيت بأشخاص مثل سَحَراء، إحدى النساء اللواتي كن يحصدن الخضروات في ذلك الحقل في داداب. (ولأسباب تتعلق بالحماية، لا يُكشف عن اسمها الكامل بصفتها لاجئة). وهي عضو في منظمة تمكين يقودها لاجئون داخل المخيم، وقد أخبرتني أن ما يزرعونه يعني أن أسرهم لا تضطر إلى الاعتماد بالكامل على المساعدات الغذائية. فهم يستطيعون إضافة الخضروات الطازجة إلى وجباتهم وكسب دخل من خلال بيع الفائض منها.

ما هو أبعد من الاستجابة لأزمة الجوع المقبلة

A closeup shot of a woman's hand with vegetables that she's picking in a field. Photo: WFP
المزارعون الذين يدعمهم برنامج الأغذية العالمي في كينيا قاموا بتجميع وبيع محاصيل بقيمة 21 مليون دولار أمريكي. الصورة: برنامج الأغذية العالمي

الضعف حقيقي. فعندما تنقطع الأمطار، نرى التربة متشققة ومجاري الأنهار جافة. والماشية تضعف بسبب نقص المراعي. وتضطر الأسر إلى السير لمسافات أطول بحثًا عن الماء، ويواجه الأطفال سوء التغذية. 

وعندما تؤدي هذه الصدمات إلى حاجة الأسر إلى المساعدة العاجلة، تبقى مسؤوليتنا الاستجابة قائمة. فعلى سبيل المثال، قدم برنامج الأغذية العالمي هذا العام مساعدات قائمة على التحويلات النقدية لأكثر من 367,000 شخص تضرروا من الجفاف في أربع مقاطعات شمالية من الأكثر تضرراً.

"لقد تحدثتُ مع المجتمعات المحلية والمسؤولين في الحكومات وزملائي في المجال الإنساني حول ما يتطلبه الأمر، ليس لمجرد النجاة من الجفاف القادم فحسب، بل لبناء سبل عيش قادرة على الصمود أمامه." – بيتي كا

لكن الاستجابة للطوارئ المقبلة لا يمكن أن تكون القصة الكاملة. فقد ناقشت مع المجتمعات المحلية والمسؤولين الحكوميين وزملائي في المجال الإنساني ما يلزم ليس فقط للنجاة من الجفاف القادم، بل لبناء سبل عيش قادرة على تحمّله.
 
وتسهم هذه النقاشات في تشكيل برامجنا. ففي مختلف أنحاء الأراضي الجافة في كينيا، يعمل برنامج الأغذية العالمي مع المجتمعات المحلية والحكومة على حصاد مياه الأمطار وتخزينها، واستعادة الأراضي المتدهورة، ومساعدة المزارعين على إنتاج الغذاء وربط منتجاتهم بالأسواق.

وقد بدأنا نرى ثمار تلك الاستثمارات. في عام 2025، شملت جهود برنامج الأغذية العالمي في مجال النظم الغذائية التي تتمتع بقدرة على الصمود أمام تغيّر المناخ ما يقرب من 650,000 شخص في جميع أنحاء الأراضي الجافة والمناطق عالية الإنتاج الأخرى. وقام المزارعون الذين تلقوا الدعم من خلال المبادرات المرتبطة ببرنامج الأغذية العالمي بجمع وبيع حوالي 83,000 طن متري من المحاصيل بقيمة 21 مليون دولار أمريكي. 

الاستثمار في الناس

A large waterpan, or water catchment system, under a blue sky dotted with clouds, and surrounded by dry land.  Photo: WFP/Dennis Matendechere
تتيح خزانات حصاد المياه، مثل هذا الخزان، للمزارعين زراعة محاصيل مثل البطيخ التي قد تبدو مستحيلة في الأراضي الجافة في كينيا. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/دينيس ماتينديشير
هذه الأرقام مهمة. لكن ما يبقى عالقاً في ذهني هو الإمكانات التي تمثلها على أرض الواقع. وكلما تحدثنا عن كيفية إطلاق المزيد من هذه الإمكانات، أجد نفسي أعود دائماً إلى المياه. فالمياه هي العمود الفقري لكل شيء. وإذا نجحنا في توفيرها، يصبح الكثير غير ذلك ممكناً.
 
فعلى سبيل المثال، في هاغاديرا، أحد مخيمات اللاجئين في داداب، تستخدم البرامج التي يدعمها برنامج الأغذية العالمي خزاناً لحصاد مياه الأمطار وتخزينها لأغراض الري. وفي وقت سابق من هذا الشهر، حصد المزارعون الذين يستخدمون هذه المياه محصول البطيخ للمرة الأولى. إنها نتيجة أولية، لكنها لافتة للنظر وتعطي لمحة عما يمكن أن يحققه الوصول إلى المياه.

"المياه هي العمود الفقري. إذا تم توفيرها بشكل صحيح، يصبح تحقيق الكثير من الأمور الأخرى ممكناً." – بيتي كا

بفبفضل المياه، يستطيع المزارعون تنويع المحاصيل التي يزرعونها، سواء لموائدهم أو لتحقيق دخل. كما تزداد قدرة الرعاة على حماية ماشيتهم. ولا يعني هذا أن الجفاف سيختفي، لكنه قد يغير تأثيره على الأسر.

إلا أن المياه وحدها لا تكفي. فالمزارع الذي يستطيع زيادة إنتاجه يحتاج أيضاً إلى سوق يبيع فيه منتجاته. ويحتاج الراعي إلى مراعي صحية ومعلومات تساعده على اتخاذ القرارات قبل أن يشتد الجفاف. كما تحتاج المجتمعات إلى التمويل والبنية التحتية والخدمات. ويحتاج الشباب إلى فرص لبناء سبل عيش في المناطق التي يعيشون فيها.

ولهذا السبب لا تكفي هذه الاستثمارات بمفردها. إذ يساعد برنامج الأغذية العالمي صغار المزارعين على تجميع إنتاجهم والوصول إلى الأسواق، بما في ذلك المدارس التي تشتري الأغذية محلياً لصالح برامج الوجبات المدرسية التي تديرها الحكومة. كما يدعم البرنامج المجتمعات المحلية في استعادة الأراضي والمراعي التي تعتمد عليها هذه سبل العيش.

التحرك المبكر لتعزيز الأمن الغذائي

A woman in a long blue dress and headscarf feeds her goat with dried grass, with a straw hut and cloudy skies in the background. Photo: WFP/Dennis Matendechere
ساعدت مبادرات العمل المبكر التي ينفذها برنامج الأغذية العالمي المزارعين والرعاة، مثل هذه السيدة، على الاستعداد بشكل أفضل للتعامل مع موجة الجفاف التي شهدتها كينيا عام 2025 والتكيف مع آثارها. الصورة: برنامج الأغذية العالمي/دينيس ماتينديتشيري
اعتادت الأراضي الجافة في كينيا التعامل مع تداعيات قلة هطول الأمطار. لكن في الأشهر المقبلة، تستعد بعض هذه المناطق نفسها لاحتمال حدوث العكس. ومن المتوقع أن تجلب ظاهرة «النينيو» المناخية القوية هطول أمطار أكثر من المعتاد خلال موسم أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول، مع احتمال أن تكون مناطق شمال شرق كينيا من بين الأكثر تضرراً.

بالنسبة للمزارعين ورعاة الماشية، قد تعمل هذه الأمطار على تجديد مصادر المياه، وإحياء المراعي، ودعم الإنتاج. لكن هطول الأمطار الغزيرة قد يؤدي أيضًا إلى حدوث فيضانات – مما يؤدي إلى تدمير المحاصيل والماشية، وقطع الطرق والأسواق، وإجبار الأسر على النزوح من منازلها. وهنا أيضًا، يتحرك برنامج الأغذية العالمي مبكرًا، مستفيدًا من التوقعات الجوية ومقدمًا الدعم لمنح المجتمعات المحلية الوقت الكافي للاستعداد للأسوأ. 

ولا يُعد أي من هذه الاستثمارات تحولاً جذرياً بمفرده. لكنها مجتمعةً تمنح الأسر مزيداً من الأدوات والقدرات التي تساعدها على تجاوز الصدمات والانتكاسات.

وعندما أفكر في عامي الأول في كينيا، أجدني أعود مجدداً إلى داداب. إلى الأرض الجافة. ولكن أيضاً إلى صفوف المزروعات الخضراء. إلى سَحَراء والنساء الأخريات وهن ينحنين بين تلك المزروعات ثم ينهضن من جديد وهن يحملن الغذاء بأيديهن.
 
أصبح عمل برنامج الأغذية العالمي في الأراضي القاحلة وشبه القاحلة في كينيا ممكناً بفضل دعم المانحين، بمن فيهم النمسا وكندا والدنمارك والاتحاد الأوروبي وألمانيا وأيرلندا واليابان وهولندا ونيوزيلندا والنرويج وجمهورية كوريا (كويكا) والمملكة العربية السعودية وسلوفينيا وأوكرانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى مؤسسة ماستركارد ومؤسسة نوفو نورديسك وغيرها من الجهات المانحة من القطاع الخاص.
 

تعرف على المزيد عن عمل برنامج الأغذية العالمي في كينيا.

الآن هو الوقت المناسب
لاتخاذ خطوة

يعتمد برنامج الأغذية العالمي على المساهمات الطوعية بالكامل لذا فإن لكل تبرع قيمته
تبرّع الآن